تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
التكليف والوعد والوعيد ، فإنّ ذلك كلّه إنّما يتمشّى على الأفعال الاختيارية ، لكنّ المجبرة تقول « 1 » : المدح والذم باعتبار المحلّية ، لا باعتبار الفاعلية حتى يشترط فيهما الاستقلال ! وذلك كما يمدح الشيء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته من الآفة وعاهته ، فإنّ ذلك باعتبار أنّه محلّ لها ، لا مؤثر فيها . وأمّا الثواب والعقاب المترتبات على الأفعال الاختيارية فكسائر العاديات المترتبة على أسبابها بطريق العادة من غير لزوم عقلي واتجاه سؤال ، وكما لا يصحّ عندنا أن يقال : لم خلق الله الاحتراق عقيب النار ؟ ولم لم يحصل ابتداءاً أو عقيب مماسّة الماء ؟ فكذا هاهنا لا يصحّ أن يقال : لم أثاب عقيب أفعال مخصوصة ، وعاقب عقيب أفعال أخرى ، ولم يفعلهما ابتداءً ؟ أو لم يعكس فيهما ؟ وأمّا التكليف والتأديب والبعثة والدعوة فإنّها قد تكون دواعي للعبد إلى الفعل واختياره فيخلق الله الفعل عقيبها عادة ، وباعتبار ذلك الاختيار المترتب على الدواعي يصير الفعل طاعة ومعصية ، ويصير علامة للثواب والعقاب ، لا سبباً موجباً لاستحقاقهما . أقول : كل ذلك يشبه الهذيان ، فإنّ المدح والذم إنّما يتعلقان بالأفعال الاختيارية ، فيستحق الإنسان المدح بأفعاله الحسنة والذم بأعماله السيئة ، ولا معنى لأن يستحق الذم أو المدح بأمور خارجة عن اختياره . نعم ، لا بأس باتصاف شيء بالحسن والقبح في غير الأمور الاختيارية ، بمعنى اشتماله على الكمال والنقص أو ما يوافق الطبع وينافره أو غيرهما كما مرّ في أوائل هذا المقصد ، وأمّا قولهم في العقاب والثواب فهو أقبح وأشنع ، فإنّ معناه أنّ عادة الله جارية على عقاب عباده العاجزين بلا جهة ! وهل هذا إلّا ظلم بحت ينفيه العقل والقرآن عن الله تعالى ، وتوهّم أنّ الممكن ملك له وللمالك كيف ما شاء من التصرف ولا قبح ؟ قد أبطلناه سابقاً بأوضح وجه . وبالجملة : العقل والقرآن يناديان بأنّ العقاب إنّما هو جزاء أعمالهم ، لا من جريان عادة الله تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً . وأمّا ما ذكروه في التكليف فضعفه ظاهر ؛ لأنّ الدواعي أيضاً عندهم من فعله تعالى ولا اختيار للعبد ، بل واختياره - مع كونه غير مؤثر - أيضاً من خلقه تعالى ، فلا يتصور للتكليف فائدة . وخلاصة القول ولبّه : إنّ القول بالجبر مخالف للعقل في إدراكاته الأولية وأنظاره البدئية والدين في أصل أساسه وآثاره الثابتة اللازمة .
هامش
( 1 ) - شرح المواقف 3 / 125 ، وغيره .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 192 | الشيخ محمد آصف المحسني