تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
أقول : وقد سبقه غيره إلى هذا البيان ، وليس في كلامه شيء جديد سوى التطويل ، وضعفه ظاهر من وجوه ، وإليك توضيحه : قوله : ( إرادة يرجّح بها الأشياء ) باطل ؛ إذ لا ترجيح لإرادة العبد عندهم ، ولعلّه أراد بالترجيح مجرد الميل النفسي ، فينتقض دليلهم به إن كان الميل المذكور عمل النفس اختياراً . أو يلغو كلامه إذا كان من فعل الله سبحانه ، فإنّ حاله حال الفعل الخارجي في كونه خارجاً عن اختيار العبد ومستنداً إلى إرادة الله تعالى . قوله : من أنكر هذا فقد أنكر أجلى الضروريات . أقول : نعم ، ومن أنكر استناد الفعل إلى القدرة والإرادة المذكورتين فقد كابر أيضاً وجدانه وأنكر أوضح الواضحات . قوله : « حادثتان عند حدوث الفعل » يزيّف أولًا : بأنّهما متقدمتان على الفعل بالضرورة . وثانياً : بأنّه ما فائدة خلقهما عند حدوث الفعل الصادر عن الله تعالى ؟ ثم ما الدليل على إثباتهما ؟ فهل هو إلا تخرص . قوله : « فإذا تهيّأ العبد بقبول هاتين الصفتين لإيجاد الفعل » فساده واضح . أمّا أولًا فلأنّ هذا التهيّؤ إن كان من فعل العبد فقد انتقضت أدلتهم ، وهدم مذهبهم . وإن كان من فعل الخالق فما فائدة هذا التطويل والتسويل ؟ فإنّه جبر على جبر ! وثانياً : أنّ تهيّؤ العبد بهما لإيجاد الفعل غير معقول ، إلا مع تحققهما قبل الفعل وتقدمها عليه ، فهذا يناقض قولهم بحدوث القدرة حين حدوث الفعل وإنكار سبقها عليه ، وهو ظاهر . قوله : « بتقدم الإرادة القديمة » هذا ناش من حسبان تنافي إرادة الله وإرادة العبد ، وستعرف عدم التنافي بينهما ، وهو معنى الأمر بين الأمرين . قوله : « تهيّأت صفة اختيار العبد » قد عرفت بطلان أساسه بوضوح . قوله : « نسبة إلى العبد » لا فائدة تترتب على هذه النسبة ، وهذا كما إذا أراد أحد قتل زيد مثلًا ، لكنّ ثالثاً قتله ، فإنّ فاعل القتل والمسؤول عنه هذا الثالث ، لا ذاك المريد بلا شك لأحد من العقلاء في ذلك ، ومجرد المحلّية في المقام دون المثال غير مؤثر قطعاً ، وإلا لإستحقّ اليد المرتعشة العقاب إذا قتل أحداً لأجل ارتعاشها ، وهو ظاهر الفساد ، فافهم جيداً . فتحصّل : أنّ قول الأشاعرة نفس قول الجهمية ، فكلا الفريقين من المجبّرة الغالية ، لكنّ الأشعرية تفرّدت بأمر غير معقول آخر ، وهو الكسب الذي لم يعرفوا معناه ! الجبر وصحة التكليف واستحقاق الجزاء : لا ريب أنّ الاضطرار والجبر يبطلان الحسن والقبح واستحقاق العقاب والثواب ، بل صحة