بصفته ، أعني بكونه طاعة ومعصية ، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا توصف بها أفعاله تعالى ، كما في لطم اليتيم تأديباً أو إيذاءً ، فإنّ ذات اللطم واقعة بقدرة الله وتأثيره ، وكونه طاعة على الأول ، ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره .
أقول : وجوابه ظاهر ، فإنّ هذه الصفة أمر اعتباري ينتزع من موافقة العمل للأمر الشرعي أو نهيه ، ولا معنى لتعلق قدرة العبد به ، ولو سلّمنا أنّها موجودة يبطل مذهبهم ، إذ ثبت مورد استند موجود خارجي إلى اختيار العبد وقدرته مع أنّهم ينكرونه على المعتزلة !
وأيضاً نقول لهم : إذا جوّزتم استناد هذا الموجود المسمّى بالكسب إلى العبد فلم لا تجوّزون استناد أصل الفعل قدرته وإرادته ؟ حيث لا فرق بينهما أصلًا ، فهل هو إلا تحكّم بارد ؟ فقضاوة هذا القاضي الباقلاني أيضاً لم تكسب للكسب نفعاً كما اعترف بعض الأشعريين أيضاً .
ومن هنا أراح بعضهم نفسه فقال : إنّ هذا الكسب غير معقول ولا معلوم ، مع أنّه صادر عن العبد ، ولعلّ هذا هو مراد الغزالي أيضاً من قوله المحكي : إنّ الأفعال مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً ، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق ! يعبّر عنه بالاكتساب .
نعم ، للفضل بن روزبهان كلام آخر حول هذا الكسب ، وحسب أنّه أتى بما يرتضيه المنصف وينقاد لصحته المتعسّف ! وإليك عبارته « 1 » : يفهم من كلام الشيخ أنّه فسّر كسب العبد للفعل بمقارنة الفعل لقدرته وإرادته تارةً ، وفسّره بكون العبد محلًا للفعل أخرى ، وتحقيقه : أنّ الله خلق في العبد إرادة يرجح بها الأشياء ، وقدرة يصح بها الفعل والترك ، ومن أنكر هذا فقد أنكر أجلى الضروريات عند حدوث الفعل ، وهاتان الصفتان موجودتان في العبد ، حادثتان عند حدوث الفعل ، فإذا تهيّأ العبد بقبول هاتين الصفتين لإيجاد الفعل وذلك الفعل ممكن والممكن إذا تعلقت به القدرة والإرادة وحصل الترجيح فهو يوجد لا محالة بقدم ( بتقدم ظ ) الإرادة القديمة الدائمة الإلهية والقدرة القديمة ، فأوجد الله بهما الفعل لكونهما أتمّ من الإرادة والقدرة الحادثة . . . فلمّا أوجد الله تعالى الفعل ، وكان قبل الإيجاد تهيّأت صفة اختيار العبد إلى إيجاد ذلك الفعل ، ولكن سبقت القدرة الإلهية فأحدثته ، فبقي للفعل نسبتان : نسبة إلى العبد وهي أنّ الفعل كان مقارناً لتهيئة الإرادة والاختيار نحو تحصيل الفعل وحصول الفعل عقيب تهيّؤه ، فعبّر الشيخ عن هذه النسبة بالكسب . . . ونسبة إلى الله تعالى وهي أنّه كان مخلوق الله تعالى موجوداً منه . . . وهذا معنى كون الفعل مخلوقاً لله تعالى مكسوباً للعبد . . . إلى آخره .
هامش
( 1 ) - إحقاق الحقّ 2 / 123 .