تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
إلا الله ، فأفعال الإنسان وغيره عندهم كحركة السكين في يد القصاب ، أو كحركة القلم في يد الكاتب ! وقال أبو الحسن الأشعري ومقلّدوه : إنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها وليس لقدرتتهم تأثير فيها ، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً ، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما - أي للقدرة والاختيار الكائنين في العبد - فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد « 1 » . أقول : امتيازه عن القول الأول بأمرين : الأول : تحقق القدرة والاختيار في العبد المقارن لهما الفعل ، لكن بلا تأثير لهما فيه . الثاني : كون العبد كاسباً لفعله وإن لم يكن الفعل مستنداً إلى إرادته واختياره ، لكن الحقّ رجوع هذا القول إلى الأول ، وكونهما شيئاً واحداً ، فالمجبّرة هم الجهمية والأشاعرة ، فإنّ الأمرين المذكورين ممّا لا محصل له ، ولا معنى معقول تحته ، بل هو مجرد لقلقة لسان لا غير . إذ نقول لهم : إذا لم يكن للقدرة والاختيار تأثير وكانت أفعالنا صادرة عن إرادة الله تعالى فقط فما الدليل على وجود هذه القدرة والاختيار ؟ ولمن خلقهما الله في العبد ؟ هل للسخرية والاستهزاء ، فالله بريء عن القبيح ، أم للإنفاذ وتدبير الشؤون ؟ فأنتم تمنعون تأثيرهما في فعل العبد . فإن قيل : إنّهما ضروريان في الإنسان . نقول : نعم ، لكنّ استناد الفعل إليهما أيضاً ضروري وجداني ، فقد سقط مذهبكم ! وأمّا الأمر الثاني - أعني الكسب - فلهم فيه اضطراب عجيب وتقلقل غريب ، وكل ما أمعنت فيه النظر تجده أقرب شيء إلى الكلام النفساني من حيث الغموض والإبهام ! يقولون بأفهواهم ما لا تدركه قلوبهم ولا تتصوره عقولهم . يقول الجرجاني في شرح المواقف في تفسير الكسب عن قيل سيده وقائده الأشعري : والمراد بكسبه ( أي العبد ) إيّاه ( أي الفعل ) : مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلًا له . أقول : ليس فيه زيادة على التصريح بجبر العبد في فعله وسلب اختياره . ثم لمّا جاء الباقلاني ولاحظ كسب شيخه الأشعري على حالة الانحلال والاضمحلال حاول أن يستصلح فساده - وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر ؟ - فقال « 2 » : تتعلق قدرة الله بأصل الفعل وقدرة العبد
هامش
( 1 ) - شرح المواقف 3 / 118 ، وكذا في شرح القوشجي للتجريد وغيره . ( 2 ) - شرح المواقف 3 / 119 .