والشرور من أنواع الكفر والمعاصي والمساوئ ، إذ الجبر لا يجامع مع شيء من هذه الأمور كما لا يخفى ، فكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة دليل قطعي وكاشف إنّي من اختيار العبد .
هذا ، مع أنّ الضرورة قائمة على تحقق الاختيار واستناد أفعالنا إلينا ، وتأثير إرادتنا فيها ، أترى أنّ نزولنا من السطح على الدراجة مع سقوطنا منه قهراً على حدّ سواء ، أو أنّ حركة اليد المرتعشة مع حركة يد الكاتب لا تفرقان ؟ هكذا نقل عن المفوّضة ، وهم أكثر المعتزلة أو جميعهم كما يظهر للمراجع إلى كتب هذا الفن .
أقول : ما ذكروه من الوجوه الثلاثة ودعوى الضرورة من الأمور القطعية الواضحة التي لا يمكن لعاقل أن يتوقف في صحتها ، بل هي ضروري الإذعان ، ومن يجحده فإنّما يجحده باللسان ، لكن نتيجتها ليست استقلال العبد في أفعاله كما تخيّلوه ، وإنّما هي تبطل الجبر وحده ، ولا دلالة لها - ولو دلالة ضعيفة - على استغناء العبد عن خالقه في حركاته وسكناته ، وستعرف أنّ الحق المطابق للعقل والنقل هو الأمر بين الأمرين ، لا الجبر ولا التفويض .
هذا من ناحية استدلالهم ، وأمّا من ناحية الدعوى نفسها فهي مزيّفة بوجهين :
الأول : افتقار الممكن في جميع شؤونه إلى الواجب بقاءً كما في حدوثه ، وقد مرّ برهانه القطعي في بيان خواص الممكن في الجزء الأول ، وهذا المذهب يستلزم استغناءه عن الواجب بقاءً في صفاته وأفعاله فلا ريب في فساده .
الثاني : بطلان مذهب المجوس ورداءته باتفاق من المسلمين ؛ وذلك لأنّ القول باستقلال المكلف وغيره بأفعاله أردأ وأشنع من قول المجوس ، فإنّهم قالوا بمبدأين فقط : ( يزدان ، وأهرمن ) ، وهؤلاء قالوا بمبادئ كثيرة حسب تعدد أفراد الإنسان والحيوان والجنّ وغيرهم ، بل لا شبهة أنّ هذا المذهب - أي جعل أفراد الناس وغيرهم خالقين لأفعالهم ومستقلين بآثارهم - أقبح من مذهب من جعل الأصنام أو الكواكب شفعاء عند الله .
تنبيه :
هذا كله على تقدير إرادتهم من استقلال الإنسان - مثلًا - بأفعاله هو عدم احتياجه فيها إلى الواجب ، وأمّا إذا زعموا عدم قدرة الله تعالى على أفعالهم فالخطب أفضح وأقبح ، بل لعلّ بطلانه حينئذٍ يكون ضرورياً في دين الإسلام ، فإنّ أفعال الإنسان ممكنة ، والله قادر على كل ممكن ، والمظنون بدواً أنّهم نفوا الحاجة إلى الواجب ، لا المقدورية له ، فإنّ نفي الاحتياج يكفي لإثبات مذهبهم في هذا المقام ، ولا حاجة إلى إنكار قدرة الله على أفعالنا ، وإنّي - لحدّ الآن - لم أفز على عبارة اعتزاليّ دلت على إنكارها ، لكنّ الظاهر من جملة من كلمات الباحثين أنّهم - أي المعتزلة - ينكرون كون الأفعال المذكورة مقدورة لله تعالى .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 187
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص١٨٧