تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦

القاعدة الخامسة : في إبطال الجبر والتفويض وتحقيق الأمر بين الأمرين

لا شك في أنّ الممكنات بأسرها منتهية إلى الواجب القديم ولو بوسائط ، وفي أنّ الأجسام والأعراض - سوى الأفعال الاختيارية - صادرة عنه تعالى ابتداءً ، كما عليه المتكلمون قاطبة ، وإنّما المهمّ هو معرفة كيفية الأفعال الصادرة عن بعض الممكنات بالاختيار والإرادة واستنادها إلى الواجب الوجود ، فإنّها أمر عجيب وسرّ غريب قد تبلد فيه الأفهام وتزلّ الاقدام ، وقلّ من أصاب الحق وفاز بالمرام ! فإنّ البرهان قائم - قياماً قطعياً أو ضرورياً - على أنّه لا موجود إلا ويجب فيه تأثر الواجب ، والعيان حاكم بأنّ الأفعال الاختيارية صادرة بإرادة الفاعل ومحض قصده ، والبرهان أيضاً يساعده كما سيأتي ، والجمع بين الأمرين أوجب بلبلةً في علمي الكلام والفلسفة ، بل المسألة - كما قيل نشأت منذ نشأة الفلاسفة الأغر يقيّين قبل الإسلام . وممّا يوجب مزيد الاهتمام بهذه المسألة أنّها ليست من البحوث العلمية فقط ، بل لها ارتباط قوي وتأثير مستقيم في النظام الاجتماعي والناموس الأخلاقي ، فإنّ القول بالجبر وسلب الاختياري عن الإنسان - مثلًا - يبرئ المجرم من المسؤولية أمام المجتمع ، ولا يرى لسعيه نحو التكامل النفسي والمادي أثراً أبداً ، فإنّ التدبير محكوم عليه للتقدير ، والإنسان عنده كالسكّين في يد القصاب ، فهذا القول يبرّز جميع الجنايات بلا شرط وقيد . فلا بد للعاقل من تحقيق المقام واتّباع الحق ، فإنّ الحقّ أن يتّبع ، وها نحن نفصل لك المسألة في طيّ مقالات بعون الله وتسديده :

المقالة الأولى : في مسلك التفويض

قالت المفوّضة : إنّ الله أوجد العباد ، وأقدرهم على تلك الأفعال ، وفوّض إليهم الاختيار ، فهم مستقلون بإيجاد تلك الأفعال على وفق قدرتهم وإرادتهم . وقالوا : إنّ الله تعالى أراد منهم الإيمان والطاعة ، وكره منهم الكفر والمعصية . وقالوا : وعلى ضوء ذلك تتّضح أمور : 1 - صحة التكليف والوعد والوعيد . 2 - استحقاق الثواب والعقاب . 3 - تنزيه الله عن إيجاد القبائح
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 186 | الشيخ محمد آصف المحسني