أفراد هذا النوع ، أو المكث مؤقتاً كما في حقّ غيرهم - لحفظ النظام الاجتماعي المؤقت ممّا لا يقبله عاقل كما تقدم ، على أنّ إنفاذه في القيامة ممّا لا داعي إليه ؛ لانقضاء النظام المذكور بفناء الدنيا وحلول الآخرة . هذا ، مع أنّ حفظ النظام الاجتماعي غير موقوف على هذا المقدار من العذاب الشديد ، بل يكفيه ما هو أقلّ منه وأخفّ بمراتب ، كما يشاهد في أنظمة الدول الكافرة الحاضرة ، فتبصّر . وأمّا سرّ التكليف العام مع القطع بعدم التأثير فقد مرّ منّا جوابه .
وأجيب ثالثاً : بأنّ جعل التخويف في العاجلة وإجراءه في الآجلة ليس له غرض سوى ذاته تعالى ، فإنّه تعالى غاية الغايات .
وبكلمةٍ أوضح بياناً : معروفية ذاته بتمام أسمائه هي الغاية لجميع أفعاله التي هي أنواع تجلّياته وظهوراته ، فظهور اسم الهادي والمرشد والدليل هو المقتضي لجعل الأحكام ، وتأكيد الدعوة بحكمته وعنايته هو المقتضي لجعل العقاب ، وكونه عادلًا وشديد العقاب هو المقتضي لإجراء العقاب ، ذكره بعض أعاظم العلماء . وقيل : إنّه مذهب جماعة من الصوفية .
أقول : قد عرفت تحتّم تبعية أفعاله للغرض ، وأمّا هذا المسلك فسوف نفنّده في القاعدة الآتية إن شاء الله .
ورابعاً : بأنّ المخالفة والعصيان يقتضي استحقاق العقاب عقلًا ، إذ هي هتك لحرمة المولى ، وخروج معه عن رسوم العبودية ومقتضيات الرقّية ، وهو ظلم خصوصاً على مولى الموالي ، فالعقل هو المخوف على المخالفة ، واختيار العقاب فيما لا مانع منه من توبة أو شفاعة مثلًا ممّا تقضية الحكمة الإلهية .
أقول : لا شك أنّ مخالفة المولى ممّا يوجب استحقاق العقاب - في الجملة - عقلًا ، لكنّ الكلام في إنفاذه يوم القيامة من قبل الغني الرحيم ، فإنّ العفو في غير موارد حقوق الناس أولى بلا ريب ، فما هو الموجب لإجرائه وإنفاذه ؟ والحال أن كونه عادلًا وشديد العقاب ، لا يسلب اختياره .
ثم إنّ هنا وجوهاً أخر ذكرها المحدّث الحرّ العاملي ( رحمه الله ) في رسالته المؤلّفة لذلك ، لكنّها بأسرها غير قابلة للاعتماد عليها « 1 » .
وأمّا الخلود فقد ورد سرّه في رواية أبي هاشم « 2 » ، قال : سألت أبا عبد الله ( ع ) عن الخلود في الجنة والنار ؟ فقال : « إنّما خلد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبداً ، وإنّما خلد أهل الجنة في الجنة لأنّ الجنة نيّاتهم كانت في الدنيا لو بقوا أن يطيعوا الله أبداً
هامش
( 1 ) - لاحظ مصابيح الأنوار / 318 .
( 2 ) - البحار 8 / 347 .