الثانية : أنّه ضرر على الكافر فإنّه يستوجب دخوله النار ولو بتوسط اختياره .
وجوابه : أنّ عدم ترتب الغاية بسوء اختيار المكلف شيء ، وتعلّل فعله بها شيء آخر .
فإنّا نقول : الغرض من التكليف هو جعل المكلف في معرض تحصيل الرحمة وتمكّنه من اكتسابها ، وهذا الغرض مترتب على التكليف ولا يمكن انفكاكه عنه ، فعدم استفادة المكلف منه وإلقاء نفسه في التهلكة - بمحض اختياره - لا يضرّ بتشريع التكليف .
وحق الجواب وأحسنه : أنّ التكليف ذو مصلحة مهمة يستوجب تكامل النفوس وراحة البال ، والخلود في دار النعيم ، كما هو واضح ، والله سبحانه يعلم أزلًا أنّ كثيراً من المكلفين يستوفونها بامتثالهم تلك التكاليف ، وكثير منهم لا يستوفونها ؛ لتمرّدهم عن الطاعة اختياراً ، قال الله تعالى :
فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
« 1 »
.
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أنّ التفكيك في التكليف واختصاصه بالمؤمنين والمتّقين غير ممكن ، فإنّ الله سبحانه وتعالى إذا قال : « إنّ من يقبل التكليف ويريد الإيمان والعمل الصالح فهو مكلف ، وأمّا من لا يريده ولا يقبله فلا اكلّفه » . يسقط التكليف والتشريع عن النفوذ رأسا ، إذ لا يقلده إلا الأوحدي من الناس - إن وجد - فبهذا القول قد فوّت التكامل والثواب على كثير ممن كانوا يؤمنون في فرض كون التكليف عاماً شاملًا ، وهذا واضح إن شاء الله ، فافهم واغتنم .
السادس : خلق الكافر ، فإنّ الغاية المقررة من إيجاد الإنسان - وهي الرحمة - لا تترتب عليه ، وهذا معلوم لله تعالى أزلًا ، وما ذكرناه من الجواب المتقدم لا يجري هنا ؛ لإمكان التفكيك في الخلق والتكوين .
وأجيب عنه « 2 » : بأنّ تفاوت الماهيات الجنسية والنوعية والصنفية والشخصية في أنفسها ولوازمها بنفس ذواتها ، لا بجعل جاعل وتأثير مؤثّر ، فمنهم شقي ومنهم سعيد بنفس ذاته وما هويته ، وحيث كانت الماهيات موجودة في العلوّ الأزلي وطلب بلسان حال استعدادها الدخول في دار الوجود ، وكان الواهب الجواد فيّاضاً بذاته غنياً بنفسه ، فيجب عليه إفاضة الوجود ، ويمتنع عليه الإمساك عن الجود ، وحيث الجود بمقدار قبول القابل وعلى طبق حال السائل كانت الإفاضة عدلًا وصواباً ؛ إذ الشيء لا ينافي مقتضاء ، فإفاضة الوجود على الماهيات كائنة ما كانت إفاضة على ما يلائم الشيء ، حيث إنّ الشيء يلائم ذاته ، وذاتياته ولوازمه وقياسه بإجابة السفيه قياس باطل ، إذ السفيه ربما يطلب ما ينافي ذاته ، فإجابته خلاف الحكمة ، وبخلاف إجابة الماهيات فإنّه لا اقتضاء وراء الذات والذاتيات ، فالاعتراض إن كان بالإضافة إلى مرتبة
هامش
( 1 ) - الأعراف / 28 .
( 2 ) - لاحظ تفصيله في نهاية الدراية 1 / 181 و 182 ، والظاهر أنّه مذهب كثير من الفلاسفة .