تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
الرابع : لم لا يكفي علمه أزلًا بطاعة المطيعين ومعصية العاصين في إيصال الرحمة والنقمة ؟ أقول : إن كان المراد بالرحمة هو تكامل المكلف في صفاته النفسانية بمزاولة الأفعال الاختيارية فعدم كفاية علمه تعالى بالطاعة والمعصية لإيصالها واضح . وإن كان المراد بها هو الثواب والعقاب فجوابه : أنّ فعلية الثواب والعقاب مترتبة على فعلية القرب والبعد من الله تعالى ، وهي تابعة لفعلية الشقاوة والسعادة المتوقفة على فعلية الإطاعة والمعصية المتفرعة على فعلية الأمر والنهي ، فتدبّر . الخامس : أنّ الثواب يمكن بتوسّط الأعمال اليسيرة دون مثل هذه التكاليف الشاقّة ؛ إذ ليس ثواب على قدر المشقة وعوضاً مساوياً لها ، ألا ترى أنّ في التلفّظ بكلمة « الشهادة » من الثواب ما ليس في كثير من العبادات الشاقة ؟ وما يروى من أنّ أفضل الأعمال أحمزها - أي أشقّها - فذلك عند التساوي في المصالح ، فلا ينافي أن يكون الأخفّ أكثر ثواباً إذا كان أكثر مصلحة « 1 » . أقول : وهذا التلفيق عجيب ، الملفّق سلّم تبعية الثواب للأكثر مصلحة ، ومع ذلك يدّعي إمكان الثواب الكثير بتوسّط الأعمال اليسيرة ! وهل له دليل على أنّ كل عملٍ سهل أكثر مصلحة من كل عمل شاقّ ! ؟ لا يقال : الثواب والعقاب إنّما يدوران مدار الانقياد والتجرّي فقط دون ترك المصالح وارتكاب المفاسد الواقعيتين ، كما حقق في أصول الفقه . فإنّه يقال : نعم ، لكن للانقياد والتجرّي مراتب قوة وضعفاً يتفاوت الثواب والعقاب بلحاظها قلة وكثرة ، ولا ريب أنّ أهمية المصلحة أو المفسدة ممّا يوجب مزيد عناية الآمر والناهي واهتمامه للبعث أو الزجر ، ومن البديهي أنّ هذا الاهتمام يقوّي مرتبة التجرّي والانقياد فيتفاوت الجزاء أيضاً ، فافهم فإنّه دقيق . السادس : تكليف الكفّار ، والإشكال فيه من جهتين : الأولى : أنّه لا غرض له تعالى فيه ؛ لأنّ الغرض المتصور هو كونه وسيلة وذريعة إلى الرحمة « 2 » ، والمفروض أنّ الله تبارك وتعالى يعلم أزلًا بعدم ترتبها عليه ، وإن كان بسوء اختيار المكلف نفسه .
هامش
( 1 ) - ذكره في المواقف وشرحها 3 / 165 . ( 2 ) - كما سبق . ثم إنّ هذا التوسل عقلي إن فسّرنا الرحمة بتحلّي النفس بالملكات النفسية ، وتعبّدي إن فسّرناها بالثواب ، فإنّ إعطاءه ابتداءً ممكن كما سيمر عليك في محله .