الروايات المتقدمة في المقام الأول وغيرها شواهد على علّية النبي وآله ( عليهم السلام ) للأشياء ومدخليتهم في العلة الغائية ، والله العالم .
المسألة الخامسة : في دفع ما يورد على هذه القاعدة ، وهو أمور :
الأول : أنّ الغاية من خلق الإنسان هي الرحمة الموقوف على المعرفة والعبادة كما سبق ، فالذين لا يمكنهم تحصيل المعرفة والعبادة كالمجانين والقاصرين والأطفال ، أو لا يجب عليهم تحصيلهما كالمراهق يلزم أن لا غرض لله من خلقتهم ، فتكون لغواً ، تعالى عن ذلك .
وجوابه : أنّ الغرض المذكور نوعي لا شخصي ، فالمخلوق له نوع الإنسان ومجموعة ، لإتمام أفراده « 1 » والذي لا يصح تكليفه ، أو لم يكلّف شرعاً وإن صح عقلًا ، له غرض آخر لا نعلمه .
أو نقول : إنّ الغرض منهم أيضاً هو الرحمة الموقوفة على العبادة والتكليف ، لكنّ تكليفهم في الآخرة ، لا في الدنيا ، كما نصّت عليه والروايات : منها صحيحة زرارة « 2 » ، قال الباقر ( ع ) فيها : « إنّه إذا كان يوم القيامة أتي بالأطفال ، والشيخ الكبير الذي قد أدرك السن « النبي خ » ولم يعقل من الكبر والخرف ، والذي مات في الفترة بين النسبين ، والمجنون ، والأبله الذي لا يعقل ، فكل واحد يحتج على الله عز وجل ، فيبعث الله تعالى إليهم ملكاً من الملائكة ويؤجّج ناراً ، فيقول : إنّ ربكم يأمركم أن تثبوا فيها ، فمن وثب فيها كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن عصاه سيق إلى النار » .
أقول : في رواية أخرى لزرارة زيد « الأصم والأبكم » .
وأمّا ما عن جمع من المتكلمين من إنكار التكليف في القيامة بحجة أنّ الآخرة دار الجزاء والمكافاة لا دار التكليف فهو خطأ ؛ لأنّ الجزاء في الجنة والنار ، وهذا التكليف في المواقف السابقة عليهما ، وللبحث صلة تمرّ عليك في بعض القواعد الآتية إن شاء الله .
الثاني : قد تقرر أنّ الغرض الأقصى هو الرحمة الرحيمية ، وحيث إنّها لا تيتسّر من دون العبادة فكلّف الله الناس بها .
لكن يرد عليه : أنّها غير موقوفة على العبادة ، فإنّ العبد بأعماله لا يستحق ثواباً على الله تعالى ، كما سيأتي بحثه في محله إن شاء الله ، ولو سلّمناه نقول بكفاية الإيمان الصحيح لحصول الرحمة المذكورة به من دون انضمام الأعمال الجوارحية معه ، كما تدل عليه قطعية العفو ، والشفاعة ، وقبول التوبة في حق العصاة ، ومن ترك وظائفه الفرعية ، قال الله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
هامش
( 1 ) - وهذا البحث يجري في ا لحيوان والنبات والثمار والأشجار فإن كثيراً من أفرادها يتلف قبل بلوغها إلى الهدف المقصود منهم .
( 2 ) - البحار 5 / 290 .