وما في رواية محمد بن الحرب الهلالي أمير المدينة ، عن الصادق « 1 » ( ع ) من قوله حاكياً عن قول الله تعالى : « ولولا هما - أي النبي وأمير المؤمنين ( عليهم السلام ) - ما خلقت خلقي » .
وما عن ابن عباس « 2 » : لمّا أراد الله أن يخلق محمداً ( ص ) قال لملائكته : « . . . فلولاه - أي النبي الأكرم - ما زخرفت الجنان ، ولا سعّرت النيران . . . » إلى آخره .
وما في رواية عبد السلام بن صالح الهروي الواردة في قصّة آدم ( ع ) من قوله تعالى « 3 » : « ولولا هم - أي الخمسة الطيّبة - ما خلقتك ، ولا خلقت الجنة والنار ، ولا السماء والأرض . . . » إلى آخره .
وعن الحمويني في فرائد السمطين ( كما في عبقات الأنوار « 4 » ) بإسناده عن أبي هريرة ، عن النبي ( ص ) : « . . . قال - آدم - : فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي وصورتي ؟ قال : هؤلاء خمسة من ولدك ، لولا هم ما خلقتك ولولاهم ما خلقت الجنة والنار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء والأرض ، ولا الملائكة ، ولا الانس ولا الجنّ . . . آليت بعزتي أنّه لا يأتيني أحد بمثقال حبّة من خردل من بغض أحدهم إلا أدخلته ناري ولا أبالي . . . » . والروايات فيه كثيرة منتشرة .
إذا تقرر ذلك فأعلم : أنّه لا منافاة بين هذه الآيات والروايات أصلًا . بيان ذلك :
أنّ الغرض الأصلي من خلقة الإنسان - وإن شئت فاذكر الجنّ أيضاً معه - هو الرحمة الرحيمية ، سواء فسّرناها بتكامل النفس بالملكات الحميدة ، أو بالثوب الأخروي ، كما دلت عليها الآية الأولى ، وصحيحة أبي عبيدة الحذّاء وغيرها ، وهذه الرحمة حيث لم يمكن إيصالها إليها من دون معرفة الله تعالى وإقرارهم بوجوده وصفاته ، ومن دون عبادته ، والامتثال لأوامره ومناهيه ، كلّفهم الله وشرع لهم معالم الزلفى .
وعلى الجملة : تلك الرحمة موقوفة على أمرين طوليّين :
أولهما : جعل التكليف من الله تعالى وإيصاله إلى الناس ، وهذا ممّا لا بد من فعله على الله تعالى ؛ لئلّا يلزم اللغو في إيجاد الإنسان ،
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ،
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً
، وقد فعله الله تعالى .
هامش
( 1 ) - البحار 15 / 12 .
( 2 ) - نفس المصدر / 26 .
( 3 ) - منهاج البراعة 2 / 92 .
( 4 ) - العبقات 2 / 983 .