تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
ثانيهما : إتيان المكلّف ما أمره به باختياره لا بجبر من الله ، وإلا لبطل التكليف وما يترتب عليه من الرحمة المذكورة ، وهذا خلف ، ولذا تتخلّف العبادة عن التكليف خارجاً ، وإلا كان التخلّف مستحيلًا ؛ لأن الله هو القاهر الغالب على أمره . ثم اعلم : أنّ المراد بالعبادة الموقوف عليها الرحمة هو الإيمان والأعمال معاً ، فإنّ المعرفة أفضل أنحاء العبادة ، فلا حاجة إدخالها في سلسلة الغايات إلى دليل خاصّ ، على أن الحديث القدسي المتقدم مجهول سنداً ، بل ذكر المحدّث الفيض بأنّه من مجعولات الصوفية « 1 » ، وما اشتهر من تفسير « ليعبدون » ب - « ليعرفون » بلا مدرك ، فلم يبق إلا رواية سلمة بن عطاء المتقدمة ، وهي من حيث السند ضعيفة إلى الغاية ، والصحيح ما ذكرنا . فإن قلت : بناءً على هذا تكون المعرفة والعمل في مرتبة واحدة ، مع أنّه لا شك في تقدمها عليه . قلت : تقدمها عليه خارجاً لا ينافي تقارنهما لحاظاً وغرضاً ، بل بعض مراتب المعرفة متأخر عن العمل ومترتب عليه ، كما يشهد له الاعتبار والآثار ، ويدل عليه قوله تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
بناءً على أنّ المراد باليقين هو بعض مراتب المعرفة دون الموت ، لكنّ هذه المرتبة منها خارجة عن سلسلة الغايات ، بل الغاية هي المعرفة بمقدار خاص نبيّنه إن شاء الله في مباحث المعاد ، وهي التي قلنا : إنّها ملحوظة مستقلة ، لا آلة إلى العمل وإن كانت شرطاً لصحته وقبوله ، فافهم . ثم إنّ إيصال التكليف إلى المكلفين وحملهم على الرشاد والسداد حيث كان وظيفة النبي والإمام فصارا من العلل الغائبة لخلقة الإنس والجنّ ؛ إذ لولا هما لما وصل التكليف إليهم وإن لم يقدروا على العبادة فلم يتيسر لهم التكامل والرحمة الرحيمية ، فتكون خلقتهم لغواً ، وهذا خلف ، وهذا معنى أنّه لولا هما لما خلق الخلق . وقد ورد عن الأئمة ( عليهم السلام ) : « لولا نا ما عبد الله ، ولولانا ما عرف الله « 2 » ، و « إنّ الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام » « 3 » . والروايات في ذلك كثيرة ، ويؤيده : ما روته العامة عن النبي الأكرم ( ص )
هامش
( 1 ) - رأيت ذلك في بعض رسائله في سالف الزمان ، بل أنكره جملة من علماء العامة أيضاً ، لاحظ هامش إحقاق الحقّ 1 / 431 . ( 2 ) - أصول الكافي 1 / 193 . ( 3 ) - نفس المصدر / 177 ولاحظ المجلد السابع من البحار .