وبالجملة : حدوث الاختيار بهذا المعنى هو عبارة أخرى عن حدوث فعله ، وهذا ممّا لا شك فيه لأحدٍ ، وأمّا حديث لزوم التسلسل فقد مرّ انحلاله بأوضح وجه في مبحث إرادته تعالى في الجزء الأول . والإنصاف أنّ هذه الشبهة سخيفة جداً . هذا ، وقد عرفت في مبحث القدرة أنّ الواجب على أصول الفلسفة فاعل مضطرّ ، وعلّة موجبة - بفتح الجيم - بحيث لا يقبله الإنكار .
المسألة الرابعة : قد انجلى أنّ الغرض من أفعاله ليس هو ذاته المقدسة ، بل ما يرجع إلى مخلوقه من المنافع كما يحكم به العقل . والآن نرجع إلى النقل في بيان تفصيل هذا الغرض وتعيين مصداقه ، والكلام يقع في مقامين :
المقام الأول : في تعيين الغرض من خلقة الإنسان الذي فضّله الله على كثير من خلقه ، المستفاد من الأدلة أنّ العلة من خلقه أمور :
الأول : الرحمة ، قال الله تعالى :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
« 1 » .
وظاهر أنّ مرجع الإشارة هو الرحمة .
وفي صحيح أبي عبيدة الحذّاء « 2 » قال : سألت أبا جعفر ( ع ) عن الاستطاعة . . . قلت : قوله :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
؟ قال : « هم شيعتنا ، ولرحمته خلقهم ، وهو قوله :
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
. . . » إلى آخره .
الثاني : العبادة ، قال الله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 3 » .
وقال الصادق ( ع ) كما في روايتي جميل « 4 » : « خلقهم للعبادة » .
وتدل عليها أيضاً رواية حبيب السجستاني ، عنه ( ع ) « 5 » ، ورواية محمد بن أبي عمير عن الكاظم « 6 » ( ع ) .
الثالث : المعرفة ، ويدل عليها الحديث القدسي المعروف : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لأعرف » .
ورواية سلمة بن عطاء « 7 » عن الصادق ( ع ) قال : « خرج الحسين بن عليّ ( عليهم السلام ) على أصحابه ،
هامش
( 1 ) - هود / 119 .
( 2 ) - أصول الكافي 1 / 429 ، ونقله المجلسي عنه في بحاره 5 / 195 مع اختلاف جزئي في السند والمتن .
( 3 ) - الذاريات / 51 .
( 4 ) - البحار 5 / 314 .
( 5 ) - تفسير البرهان 4 / 239 .
( 6 ) - نفس المصدر / 238 والبحار 5 / 157 .
( 7 ) - البحار 5 / 312 .