وعن جمهور المتكلمين : أنّه فاعل بالقصد ، أي يكون علمه بفعله سابقاً عليه ، يقرن بالداعي الزائد على ذاته .
أقول : وأنت بملاحظة الأصول الحقّة المبرهنة في هذا الجزء والجزء الأول تستيقن ببطلان القول الأول والثاني والثالث ، وبصحة القول الأخير ، لكنّ الأنسب أن نعبّر عنه بالفاعل بالاختيار ، فإنّ إطلاق القصد على المجرد عن المادة والروح ، والمنزّه عن الجسم والجسماني لا يخلو عن حزازة وركاكة ، فهذا المسلك هو المطابق للعقل والنقل ، كما عرفت بيانه مفصلًا ، لكن لصاحب الأسفار « 1 » عليه اعتراضاً عجيباً ، قال : وإن كان الأول منها - أي الفاعل بالقصد - مضطراً في اختياره ؛ لأنّ اختياره حادث فيه بعد ما لم يكن ، ولكل حادث محدث ، فيكون اختياره عن سبب مقتضٍ وعلة موجبة ، فإمّا أن يكون ذلك السبب هو ، أو غيره ، فإن كان غيره فثبت المدّعى ، وإن كان هو نفسه : فإمّا أن يكون سببيتها لاختياره باختياره ، أو لا ، فعلى الأول يعود الكلام وينجرّ إلى القول بالتسلسل في الاختياريات إلى غير النهاية . وعلى الثاني يكون وجود الاختيار فيه لا بالاختيار ، فيكون مضطراً ومحمولًا ( مجبولًا خ ) على ذلك الاختيار من غيره ، فينتهي إلى الأسباب الخارجة عنه ، وينتهي بالآخرة إلى الاختيار الأزلي الذي أوجب الكلّ على ما هو عليه بمحض الاختيار من غير داع وزائد ولا قصد مستأنف وغرض عارض . انتهى كلامه .
وقد سبقه إلى ذلك الفارابي في الفصّ السادس والخمسين من فصوصه ، لكنّه غير صحيح ؛ إذ للاختيار معنيان :
الأول : إمكان الفعل والترك ، أي للفاعل أن يفعل ، وله أن يترك .
الثاني : الترجيح وإيثار أحد الطرفين - الفعل والترك - على الآخر ، فإن أراد به المعنى الأول فنقول : إنّه أزلي ليس بحادث ، فإنّ قدرته تعالى عين ذاته ، والاختيار بهذا المعنى لازم قدرته على ما مرّ بحثه في الجزء الأول مفصّلًا ، فثبوت الاختيار - بهذا المعنى - له تعالى ليس باختيار منه ، بل هو ضروري له ، ولكن لا يستلزم اضطراره في أفعاله كما لا يخفى على عاقل . وإن أراد به المعنى الثاني فنقول : إنّه حادث ، ومرجّحه بمعنى السبب الفاعلي هو الله تعالى ، وبمعنى العلة الغائية هي المصالح أو المفاسد الراجعة إلى مخلوقاته ، فهو مع قدرته وتمكّنه من الفعل والترك يرجح ما هو الأصلح بمحض عدله وحكمته ، من غير أن تؤثّر المصالح المذكورة في تمكّنه تعالى ، وإنّما هي علة فاعلية الفاعل في خروج فعله عن اللغوية والعيثية ، وإلا فله تعذيب الأنبياء وتعظيم الكفرة والأشقياء .
هامش
( 1 ) - الأسفار الأربعة 2 / 224 .