تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
الممكنة دون الممتنعة ، فإذن لو فرضنا عدم تعلّل فعل من أفعاله بالغرض لأجل محذور التسلسل لما ضرّ بلزوم جريانه في غيره ، وهذا واضح . وثانياً : أنّ الغاية ربما لا تكون من فعله تعالى حتى تحتاج إلى غاية أخرى ، ولنأخذ مثلًا : أنّ الله تعالى خلق الإنسان بطبعه ووصفه هذا ليكلّفه ، وسبب التكليف هو تكامله وارتقاء نفسه من حضيض النقص إلى ذروة الكمال والشرف ، ومن المعلوم أنّ التكامل المذكور ليس من فعل الله تعالى حتى يحتاج إلى غاية ، وهذا أيضاً ظاهر ، وقس عليه غيره . وربما تقرر شبهة التسلسل بنحو آخر ، فيقال « 1 » : إنّ الغرض من اختصاص الحادثة المعينة بوقتها المعين ؛ إن وجد قبل وقت الحادثة المعينة لزم أن تكون الحادثة المعينة أيضاً قبل ذلك الوقت ؛ لامتناع تأخر الشيء عن غرضه ، ولزم أن لا يكون الغرض غرضاً ؛ لامتناع أن يكون غرض الشيء قبله . وإن وجد الغرض من اختصاص الحادثة المعينة بوقتها المعين في ذلك الوقت عاد الكلام في اختصاص الغرض المذكور بذلك الوقت المعين ، فإن لم يكن لغرض لزم التنزيه عن الغرض . وإن كان لغرض فإن وجد الثاني قبله لزم ان يكون الغرض الأول أيضاً قبله وإن لا يكون الغرض غرضاً . وإن وجد الغرض الثاني في ذلك الوقت عاد الكلام فيه ويلزم التسلسل أو التنزيه عن الغرض . أقول : العلّة الغائية ما يتقدم بوجوده الذهني على مغيّاه ويتأخر بوجوده الخارجي عنه ، فوجوده بعد تحقق مغيّاه من قبيل ترتب المعلول على العلة ، وأمّا اختصاص الغرض بوقت دون وقت فهو لأجل علله التكوينية ، كتحصيل المال بالتكسّب والشبع بالأكل ونحو ذلك ، ولعمري إنّ هذا التلفيق مجرد لقلقة لسانية لا معنى تحته أبداً ، لكنّ تقليد شيخهم الأشعري دعاهم إلى هذه الترّهات ، والله العاصم . 4 - من طريق الإرادة ، بيانه : أنّ كون الإرادة مرجحة صفة نفسية ، والصفات النفسية ولوازم الذات لا تعلّل ، كما لا يعلّل كون العلم علماً والقدرة قدرة . نقله في الأسفار « 2 » عن الأشاعرة ، ثمّ زيّفه بقوله : فإنّ مع تساوي طرفي الفعل كيف يتخصص أحد الجانبين ؟ والخاصية التي يقولونها هذيان ، فإنّ تلك الخاصية كانت حاصلة أيضاً لو فرض اختيار الجانب الآخر الذي فرض مساوياً لهذا الجانب . أقول : وقد أشرنا سابقاً أنّ كلامهم في إرادته تعالى يستلزم جبره تعالى ، فهم بمبانيهم هذه
هامش
( 1 ) - ذكره البيضاوي في طوالع الأنوار ، والإصبهاني في شرحها ، لاحظ هامش شرح المواقف 2 / 532 . وللرازي في تفسيره تقارير أخرى كلّها واضحة الفساد ؛ فلذا أهملنا ذكرها . ( 2 ) - 2 / 260 .