الثابت قبل وجود الغرض ليستوجب ذلك اتصاف الحكيم بقبيح الفعل ( في حين ) ، بل هي تدفع القباحة المتفرعة على خلوّ الفعل عن الغرض ، وكم فرق بين الأمرين ! فإنّ الأول يضرّ بعظمته الذاتية أو بحكمته البالغة ، والثاني حاكٍ عن كمال قدرته وعلمه وعدله وحكمته .
فالالتزام به لازم فضلًا عن كونه جائزاً ، فافهم المقام حتى ينبثق لك بطلان الشبهة بوضوح وجلاء .
2 - من طريق خالقيته تعالى ، وذلك لأنّ الغرض أمر خارج عن الفعل حاصل بتوسّطه ، ومثل ذلك غير معقول في أفعاله تعالى ، فإنّه خالق كل شيء ابتداءً بلا توسّط غرض ، فجعل بعض أفعاله غرضاً ليس أولى من جعل البعض الآخر غرضاً ، نسجه بعض الأشاعرة ، وفساده واضح ، فإنّ توقف بعض الأمور على بعضها ممّا لا شك فيه ، كتوقف الأعراض في وجودها على الجواهر ، والمعلول على العلة ، أليس خلق الأكل محالًا بلا إيجاد الآكل ، واللذة بلا وجود الملتذّ ، والعبادة بلا وجود العابد ؟ ! فقولهم بخالقية الواجب لكل شيء ابتداءً من أسخف القول ، وقد اضطرّ بعضهم إلى الاعتراف بأنّ توقف بعض الأشياء على بعضها واقع ضرورة وعقلًا ، وأنّ معنى خالقيته تعالى لكل شيء ابتداءً هو ما يقابل كلام الفلاسفة في صدور الأشياء عنه تعالى بالترتيب .
3 - من طريق التسلسل ؛ إذ لو كان فعله معلّلًا بالغرض فلا بد من الانتهاء إلى ما هو الغرض والمقصود في نفسه ، وإلا لتسلسلت الأغراض إلى ما لا نهاية له ، ولا يكون ذلك الغرض في نفسه لغرض آخر ؛ لأنّه خلاف المفروض ، وإذا جاز ذلك بطل القول بوجوب الغرض ، إذ قد انتهت أفعاله إلى فعل لا غرض له ، وهو الذي كان مقصوداً في نفسه ، استدل به الأشاعرة « 1 » على نفي الغرض مطلقاً ، والفلاسفة على نفي الغرض الزائد .
قال في الأسفار « 2 » : إذ الغايات كسائر الأسباب تستند إليه ، فلو كان لفعله غاية غير ذاته فإن لم يستند وجودها إليه لكان خرق الفرض ، وإن استند إليه فالكلام عائد فيما هو غاية داعية لصدور تلك الغاية المفروضة كونه غير ذاته تعالى ، وهكذا حتى ينتهي إلى غاية هي عين ذاته تعالى .
أقول : وفيه أولًا : أن وجوب تعلّل أفعاله بالأغراض ليس من أحكام العقل النظرية المجرد ليكون عدمه ممتنعاً عقلًا ، فيكون نقضه بموردٍ دليلًا على بطلان أصل الحكم ؛ لاستواء حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز ، بل هو من أحكام العقل العملية ، ولا شك أنّها تطرأ على الأمور
هامش
( 1 ) - شرح المواقف 3 / 163 ، وتفسير الرازي حول قوله تعالى :لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُفي سورة الأنبياء .
( 2 ) - 2 / 263 .