تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وأمّا القول الثاني فهوظاهر الفساد وواضح البطلان ؛ فإنّ الفعل الخالي عن الغرض قبيح قطعاً ، والحكيم العدل منزّه عنه ، بل هو ممتنع ؛ لاستلزامه الترجيح من غير مرجح كما هو ظاهر ، وقد عرفت في الجرء الأول استحالته بما لا مزيد عليه . وأمّا ما اعتذر به بعضهم من أنّ القبيح ما يخلو من الفائدة دون الغرض فهو ضعيف جداً ، ضرورة عدم زوال قبح العبث بمجرد اشتمال الفعل على فائدة ما لم يكن الفعل المذكور مستنداً إليها استناد المعلول إلى علّته الغائية . فإذن تعيّن القول الأول وبان صحته ، لكن للفلاسفة والأشاعرة عليه إيرادات لابد من النظر فيها ، وأنّها صحيحة أم لا ؟ وإليك بيانها : 1 - من طريق امتناع الاستكمال ، بيانه : أنّه لو كان لفعله غرض من تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة لكان هو ناقصاً في ذاته مستكملًا بتحصيل ذلك الغرض ، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه ، فإنّ ما استوى وجوده وعدمه بالنظر إلى الفاعل لا يكون باعثاً له على الفعل وسبباً لإقدامه بالضرورة ، فكل غرض لا بد أن يكون وجوده أصلح للفاعل وأليق به من عدمه ، وهو معنى الكمال ، فإذن يكون الفاعل مستكملًا بوجوده وناقصاً بدونه . لا يقال : هذا إذا رجع الغرض إلى الفاعل ، وأمّا إذا كان عائداً إلى غيره فلا يلزم الاستكمال ، والغرض في فعله تعالى من قبيل الثاني لتعاليه عن التضرر والانتفاع . فإنّه يقال : إنّ العائد إلى الغير إن كان أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه جاء الإلزام المذكور ، وإلا لم يصلح لأن يكون غرضاً له بالضرورة . أقول : ولعلّه عمدة الوجوه ، استدل به الأشاعرة على نفي الغرض مطلقاً ، والفلاسفة على إنكار الغرض الزائد على ذاته ، ولكنّ الأشاعرة لا يجوز لهم التشبّث بهذا الوجه لتجويزهم استكماله تعالى بصفاته الزائدة على ذاته ، كما اعترف بعضهم به في المقام . وأمّا الشبهة في نفسها فالصحيح عدم تماميتها ؛ إذ الغرض من فعله تعالى هو إيصال النفع إلى الغير مثلًا ، قولهم : « العائد إلى الغير إن كان أولى له من عدمه فقد جاء الاستكمال » خالٍ عن التحصيل ، فإنّه إن أريد بالاستكمال تخلّص ذاته من النقصان وتحلّيها بالكمال فالتالي وإن كان ممتنعاً ، لكنّ الملازمة فاسدة ؛ لأنّ البحث في أفعاله دون ذاته وصفاته الذاتية التي هي متساوية النسبة إلى جميع الممكنات . وإن أريد به نفي القبح عن فعله كما هو المناسب للمقام فهذا مما لا شك في صحته ، ضرورة قبح الفعل الخالي عن الغاية . فنقول : أفعاله تعالى تابعة للأغراض الزائدة على ذاته ، ووجوداتها أولى بالنسبة إليه تعالى من أعدامها ، ولكنّ هذه الأولوية لا تستلزم استكماله تعالى في ذاته ، ولا إزالة استحقاق الذمّ