وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
، وقوله :
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
، استدل ببعضها صاحب الأسفار ، وببعضها الرازي في تفسيره ذيل قوله تعالى :
ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
، لكنّ القرآن لا يثبت هذه النظرية الفاسدة ، بل يبطلها ويزيّفها كما ستعرف .
أمّا الآية الأولى فهي تدل على أنّه لا آمر عليه تعالى حتى يسئل عن فعله كما يسئل الناس عن افعالهم ، أو على أنّه لا معنى للسؤال عنه تعالى ، لأنّه لا يفعل إلا الأصلح ، ولا يعقل الخلل في صنعه ، فإنّ أفعاله تابعة للمصالح والمفاسد الراجعة إلى العبادة وغيرهم « 1 » . والإنصاف أنّه لا إشعار - ولو ضعيفاً - في الآية بما زعمه الرازي وغيره أصلًا .
وأمّا الآية الثانية فمفادها نفي المانع من تأثير إرادته تعالى ، وأين هذا من نفي تبعيتها للغرض ؟
وأمّا الثالثة فقد تقدم وجه عدم دلالتها على مرادهم .
وأمّا الرابعة فهي تنفي الغرض الراجع إليه تعالى دون مطلق الغرض .
كما أنّ الخامسة تدل على رجوع الأشياء إليه ، ولا ربط له بالمقام ، فالاستدلال بهما - كما صدر عن صاحب الأسفار - عجيب جداً .
تأييد وتسديد :
قد استبان ممّا تقدم أنّ القول الأول هو المتعيّن حسب القواعد العقلية ، وأنّ ما ذهب إليه الفلاسفة والأشاعرة لا أساس له أصلًا ، وما لفّقوه في تصحيح مقالتهم وإبطال القول الأول واهٍ جداً كما عرفته مفصّلًا ، ونحن لم ندع شيئاً من كلماتهم عن الذكر إلا ما هو مغاير لما نقلناه عنهم لفظاً لا معنى ، أو ما هو واضح الفساد استيفاءً لحقّ المسألة ، وخدمة للسعاة السفرة إلى مركز الحقيقة . ولنرجع الآن إلى القرآن الفاصل لنستمع قضائه في المقام ، وحيث إنّ موارد حكمه الجازم على المقام متعددة فنحن نقتصر على بعضها :
1 -
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ
.
هامش
( 1 ) - وللحكيم الشيرازي توجيه آخر للآية ذكره في مبحث قدرة الله من إلهيات أسفاره . لكنّه ضعيف عندنا ؛ فلذا أهملناه .