- من استحلال المحرمات العقلية النظرية والعلمية - أبعد خلق الله من القواعد العقلية والموازين الدينية .
5 - من طريق كمال فاعليته تعالى . قال في الأسفار « 1 » : الفاعل الأول يجب أن يكون تاماً في فاعليته ، ولا يمكن أن يتوقف على غيره في الفاعلية ، لكن لا يلزم من ذلك نفي الغاية والغرض عن فعله مطلقاً ، فلك أن تجعل علمه تعالى بنظام الخير الذي هو عين ذاته علة غائية وغرضاً في الإيجاد . وقال في موضع سابق على هذا : فلو احتاج في فعله إلى معنى خارج عن ذاته لكان ناقصاً في الفاعلية ، وكذا ذكره غيره أيضاً .
وقال ابن روزبهان « 2 » : ولكن ليست أفعاله محتاجة إلى علة غائية كأفعالنا الاختيارية ، فإنّا لو فقدنا العلة الغائية لم نقدر على الفعل الاختياري ، وليس هو تعالى كذلك ؛ للزوم النقص والاحتياج .
أقول : كل ذلك لا يرجع إلى معنى معقول أصلًا ، فإنّ الله تامّ الفاعلية لا يحتاج في إنفاذ إرادته إلى أحد ، إنّما أمره إذا أراد شيئاً أنّ يقول له : كن فيكون ، وله الحكم كيفما إراد ، لكنّه لحكمته البالغة لا يفعل إلا الأصلح ، فاعتبار المصلحة في فعله - بصفتها علة غائية - من جهة الحذر عن اللغوية والعبثية ، وأين هذا من النقص في فاعليته تعالى ؟ ومنه يخرج الجواب عن الثاني ، فإنّ فقدان العلة الغائية لا يدل على عدم القدرة ، بل على اللغوية والسفاهة ، وأيضاً قد تقدم أنّ بعض أفعاله موقوف على بعضها الآخر بحيث لا يمكن إيجاده إلا بالترتيب .
والعجب من الفلسفي كيف يذكر هذا الوجه ، وهو يزعم توسط العقول في فاعليته تعالى بحجة أنّ الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ! وهل هي إلا تقييد فاعليته المطلقة الكاملة ؟ أفليس من التهافت أن يقيد فاعلية الحق بتخيل السنخية بلا استيحاش ، ثم ينكر العلة الغائية حذراً من لزوم النقص في فاعليته تعالى ؟ !
وأمّا الأشعري فله ما يقول ، ولا بحث معه إلا بمقدار ما يتضح الواقع للمبتدئين .
6 - من طريق جوده ، فإنّ الواجب جواد مطلق ، والجواد لا يفعل لغرض ، وإلا كان معاملًا ، ذكره غير واحد من أصحاب الفلسفة ، وهو سخيف جداً ؛ فإنّ الغرض - كما دريت - جود آخر منه على غيره ، بل الفعل الخالي عن الغرض ليس بجود ، فإنّه إفادة ما ينبغي لا لعوض ، وما لا غرض فيه ليس على ما ينبغي ، ففاعله لا يكون جواداً .
هامش
( 1 ) - 2 / 272 .
( 2 ) - إحقاق الحقّ 1 / 439 .