الاقتضاءعلى الأعم منه الذي هو عدم الانفكاك ، وإلا فلا برهان على مغايرة الفاعل والغاية ، فإنّ الفاعل هو ما يفيد الوجود ، والغاية هي ما يفاد لأجله الوجود ، سواء كان عين ذات الفاعل أو أعلى منها .
فإن قلت : الغاية متأخرة وجوداً عن الفعل ، مع أنّ تأخر الواجب عن فعله وجوداً غير معقول .
قلت : قد اعتذر عنه بأنه إنّما يتمّ إذا كانت الغاية من الكائنات ، وأمّا إذا كانت ممّا هو أرفع من الكون فلا تتأخر عن الفعل .
أو يقال : إنّ الواجب أول الأوائل من جهة كونه علة فاعلية لجميع الأشياء ، وعلة غائية وغرضاً لها ، وهو بعينه آخر الأواخر من جهة كونه غاية وفائدة تقصده الأشياء وتتشوق إليه طبعاً وإرادة « 1 » .
أقول : ويتخلّص هذا القول إلى أمور ثلاثة : الأوّل : لا غاية ذاتية مباينة لفعله ، الثاني : غايته من فعله نفس ذاته ، الثالث : لكلّ فعل من أفعاله غاية أو غايات عرضية زائدة على ذاته تعالى ، كالمصالح والمنافع مثلًا ، فإنّها وإن لم تكن علة لفاعلية الحق - كما هي معني العلة الغائية - لكنّها مترتبة على الفعل ذاتاً لا عرضاً .
أقول : هذا القول مزيّف ؛ فإنّ الأمر الأول يفسده ما يفسد القول الثاني بلا فرق ، وستعرف إن شاء الله أنّ ما دعاهم إليه ضعيف البنيان مختلّ الأساس .
وأمّا الأمر الثاني فهو ممنوع جداً ، فإن ذاته تعالى لا تصلح لصيرورتها علة غائية ، فإنّ الغائية متقدمة ذهناً ومتأخرة وجوداً ، وهذا المعنى غير متأتّ في حقّ الواجب . وأمّا الاعتذار المتقدم فهو ممّا لا طائل تحته بكلا وجهيه ، كما لا يخفى على الخبير . وأمّا ما لفّق في تقرير هذا الأمر من أنّه مبتهج بذاته فيبتهج بآثاره فقد ذكرنا غير مرّة أنّه كلام شعري بحت ، يتوقف صدقه على بناء فاسد وهو قياس الواجب على الممكن ، أين التراب وربّ الأرباب ؟ ! وإلا الابتهاج والحب والرضا ونحوها من الكيفيات النفسانية الحيوانية غير معقولة في حق جناب المجرد القديم ، وإن أريد بها معنى آخر فلا بد من تصويره وتقريره حتى ينظر فيه . هذا ، مضافاً إلى استلزامه عدم اتصافه تعالى بالجود حقيقةً ، وعدم كونه منّافاً وجواداً على الإطلاق ، فإنّه إذا كان فعله لحب ذاته لا لمجرد نفع الغير لا يحصل له كمال الإحسان ، كما هو كذلك بناءً على القول الأول ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) - الأسفار 2 / 278 . الطبعة الحديثة .