هي العلم التام بوجه الخير للنظام ، والإرادة الحقة لفعل الخير بالذات مطلقاً ، فإذن العالم الأكبر وهو الإنسان الكامل الأعظم فاعله وغايته أولًا وآخراً ومبدءاً ومصيراً هو الله سبحانه بحسب نفس ذاته ، فأمّا كل جزء من أجزاء نظام الوجود فالغرض القريب والغاية القريبة بحسب الخصوصية شيء غير ذاته ، كما أنّ فاعله القريب بحسب الخصوصية شيء غير الحق الأول . . . وليس معنى هذا الكلام أنّ فعله المطلق لا غاية ولا غرض له ، بل إنّ غايته وغرضه ذاته المقدسة ، وإلّا رجع الأمر إلى مذهب الأشعرية ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
فقد استبان وظهر أنّ الحكماء إنّما ينفون عن فعل الله المطلق غرضاً وغاية أخيرة غير ذاته تعالى ، ويقولون : إنّه غرض الأغراض . . . ؛ لكونه علّة العلل . . . ولا ينفون الغرض والغاية والعلة والغائية ، بل يثبتون أغراضاً وغايات وكمالات مترتبة منتهية إليه سبحانه ، بخلاف الأشاعرة فإنّهم يسدّون باب التعليل مطلقاً ، وبخلاف المعتزلة أيضاً فإنهم يثبتون في فعله المطلق غرضاً غير ذاته . . . إلى آخره ، ومثله غيره من كلامه « 1 » ، فلاحظ .
ومن هذا يظهر أنّ ما ذكره الجرجاني وغيره من أنّ جهابذة الحكماء وطوائف الإلهيين موافقون لنا ( يعني في نفي الغرض ) غير صادق ، بل هو من الجهالة بمذهب الفلاسفة .
الرابع : مذهب فقهاء العامة من أنّ أفعاله تعالى تابعة لمصالح العباد تفضّلًا وإحساناً ، وإن لم تكن التبعية المزبورة واجبة .
الخامس : ما عن ابن هيثم - من الظاهرية - من أنّ أفعاله غير معلّلة عقلًا ، لكن حيث دلت النصوص والظواهر الكتابية على كونها معلّلة فلا بد من الأخذ بها « 2 » .
السادس : ما عن شارح المقاصد من التفصيل ، قال : الحقّ أنّ تعليل بعض الأفعال لا سيما شرعية الأحكام والمصالح ظاهر ، كإيجاب الحدود ، والكفّارات ، وتحريم المسكرات ، وما أشبه ذلك ، والنصوص أيضاً شاهدة بذلك ، كقوله تعالى :
ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 3 »
،
هامش
( 1 ) - وقد تعرض له في الأمور العامة أيضاً ، لاحظ الأسفار 2 / 273 .
( 2 ) - حاشية إحقاق الحقّ 1 / 422 .
( 3 ) - الذاريات 51 / 56 .