مجيبين حين استنكارنا عليهم : أنّ العورة كبقية أعضاء البدن !
المقام الرابع : في موافقة حكم العقل لحكم الشرع
قد ثبت أنّ ما حكم به العقل يحكم به الشرع ، بمعنى أنّ إدراك العقل حسن شيء - مثلًا - يلازم إدراكه حكم الشارع به ، والحكمان متلازمان ومعلولان للمصلحة الواقعية نفس الأمرية الكائنة في الفعل ، وهو العقل أيضاً يحكم بما حكم به الشرع ، أم لا ؟ أنكره صاحب الفصول ( قدس سره ) ؛ لوجوه ضعيفة كما أشرنا سابقاً ، والصحيح - ولعلّه مذهب المعظم - هو الأول ، فالملازمة ثابتة من الطرفين .
نعم ، حكم العقل بما حكم به الشرع حكم إجمالي ، ضرورة عدم إحاطته دائماً بتمام الملاكات الواقعية ، والمناطات نفس الأمرية التي تدور عليها أحكام الشرع ، ولكنّه حيث أدرك أنّ أفعاله تابعة للمصالح والمفاسد وأنّ إرادته - سواء كانت تكوينية أم تشريعية - لا تنبعث إلا عن علل صحيحة ؛ لبطلان الترجيح بلا مرجح ، وترجيح المرجوح على الراجح الواقعي لا جرم يجزم بأن كل ما يصدر عنه له ملاك وإن لا يدركه تفصيلًا ، ولعل هذا هو مراد المحقق القمي في قوانينه « 1 » ، حيث قال : إنّ كل ما حكم فيه الشرع بحكم لو اطّلع العقل على الوجه الذي دعا الشارع إلى تعيين الحكم الخاص في ذلك الشيء لحكم العقل مواقفاً له ، فافهم .
ولبعض المحققين الأعلام كلام في المقام لا بأس بنقله ، قال ( رحمه الله ) « 2 » : إنّ الحكم الشرعي لا يكشف عن المصلحة والمفسدة إلا إجمالًا ، فلا يعقل الحكم من العقل بحسنه أو قبحه تفصيلًا ، وأمّا الحكم بحسنه أو قبحه إجمالًا بأن يندرج تحت القضايا المشهورة بقسميها فلا دليل عليه ؛ لأنّ المصالح والمفاسد التي هي ملاكات الأحكام الشرعية المولوية لا يجب أن تكون من المصالح العمومية التي يحفظ بها النظام ويبقى بها النوع ، كما أنّ الأحكام الشرعية غير منبعثة عن انفعالات طبيعية من رقة أو حمية أو أنفة أو غيرها ، ولا ملاك للحسن والقبح العقليين إلّا أحد الأمرين .
نعم ، العقل يحكم بأنّ الأحكام الشرعية لم تنبعث إلا عن حكم ومصالح خاصة راجعة إلى المكلفين بها ، فالحكم بالعلّة لمكان إحراز المعلول أمر ، والحكم بالحسن والقبح العقلائيين أمر آخر . هذا هو الحق الذي لا محيص عنه ، بناءً على ما عرفت من حقيقة الحسن والقبح العقليين ، وأنّ قضيتهما داخلة في القضايا المشهورة ، لا القضايا البرهانية ، وأنّ حقيقتهما بلحاظ توافق
هامش
( 1 ) - قوانين الأصول 2 / 4 .
( 2 ) - نهاية الدراية 2 / 131 - 132 .