فقد شرط ، فإنّ العقل لا يستقل بشيء منهما ، بل المراد طلبه الفعلي من غير جهة العلم ، فطبعاً يكون معناه هو كتابته في اللوح المحفوظ التي فسّرنا بها الإرادة التشريعية ، فافهم فإنّه دقيق .
واعلم أنّ المراد من هذه الكبرى - أي « كل ما حكم به العقل حكم به الشرع » - ليس بأنّ الشرع يحكم بعين ما حكم العقل ، بمعنى تصديق الشرع إيّاه ليكون الحكم واحداً والحاكم اثنين ؛ إذ لا بعث وزجر للعقل ، بل حكمه إدراكه ، فمعنى هذه القاعدة حينئذٍ أنّ الشارع يصدّق العقل في إدراكه ، وهذا يرجع إلى ما تقدم من إثبات الحسن والقبح العقليين ، خلافاً للأشعرية ، ولا بمعنى أنّ حكم العقل عين حكم الشرع ، بدعوى أنّ العقل رسول الشارع في الباطن ، كما أنّ الرسول عقل في الظاهر ، فحكم الشرع قائم بالعقل ، حيث إنّه لسان الشرع ، ليكون الحكم واحداً والحاكم أيضاً واحداً ، كما يظهر من بعض أهل المعقول وبعض كلمات بعض الأصوليين ، بل بمعنى أنّ ما يحكم به العقل - أي يدركه - يحكم به الشرع ، فيكون هنا حكمان وحاكمان ، كما عرفت وجهه .
هذا كله في صحة القول الأول ، وأمّا القول الثاني فله وجوه من الاستدلال ، لكنّها ضعيفة بأسرها ، والمقام لا يسع نقلها وردّها .
نعم ، للمحقق صاحب الفصول ( رحمه الله ) تفصيل آخر ، وهو : أنّ الملازمة المذكورة تامة في مقام الإثبات عملًا بعموم الآيات والأخبار ، وأصالة عدم الجهة المعارضة وغيرها ، لا في مقام الثبوت لوجوه ذكرها في فصوله ، وإنّما الملازمة فيه بين حسن التكليف عقلًا ووجوب صدوره من الشارع ؛ لأنّ علمه وحكمته وغناه وقدرته تمنع وقوع خلاف ذلك منه ، وجهات الفعل المحسّنة أو المقبّحة لا تكفي لحسن التكليف به ؛ لاحتمال المانع في نفس التكليف ، واستدل على ذلك بوجوه ستّة كلها غير صالحة للاستدلال ، عمدتها أنّ الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة تثبت الأحكام العقلية في حقه كغيره من الكاملين ، ومع ذلك لم يكلفه الشارع ؛ لأنّ في ترك تكليفه مصالح . وهنا وجه آخر ذكره الفاضل التوني - كما في مطارح الأنظار - من أنّ التكليف بما يستقل به العقل لطف كما قاله أصحابنا والمعتزلة ، والعقاب بدون اللطف قبيح ، فالعقاب بدون التكليف قبيح ، فإذن بطل حديث الملازمة .
أقول : وأجاب في مطارح الأنظار عن الأول : بأنّ الأحكام الشرعية أيضاً ثابتة في حق الصبي المذكور بعد ما أدرك الحكم العقلي ، كحرمة الظلم ، أو وجوب ردّ الوديعة ، غاية ما في الباب أنّه معفوّ عنه بالشرع تفضّلًا ، كما في المعاصي الصغيرة مثلًا ، مع أنّ الحكم بثبوت العفو في بعض المقامات كما لو فرضنا فيما لو قتل الصبي قبل بلوغه بساعة مع كمال عقله وإدراكه نبياً أو وصي نبيٍّ في غاية الصعوبة ، فإنّا ربما يخالف العدل على ما لا يخفى .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 154
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص١٥٤