التمهيد ، وهذا - أي تغاير المدح والذم مع الثواب والعقاب - هو الظاهر من المحقق الطوسي أعلى الله مقامه ، أو صريحه « 1 » ، وكذا من غيره ، بل يمكن نسبته إلى جمع كثير من متكلّمي العدلية ، كما يظهر لمن راجع مباحث الثواب والعقاب في باب المعاد وغيره .
وعليه فلا بد من تكليف الشارع مولويا ليترتب على موافقته أو مخالفته المجازات الرادعة عن القبائح الباعثة إلى المحاسن ، ضرورة أنّ مجرد المدح والذم لا يكفيان لارتداع أكثر النفوس . ويدل على ما ذكرنا - في الجملة - قوله تعالى :
إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
« 3 » ، وحملهما على الإرشاد بعيد جداً .
ثم إنّ هنا وجوهاً أخر من الدلائل على الملازمة ذكرها المثبتون ونحن ننقلها من مطارح الأنظار .
1 - الإجماع المحصّل والمنقول بسيطاً ومركباً ، إذ علماء الإسلام بين من أنكر الحسن والقبح ، وبين ما أثبتهما وقال بالملازمة ، فالتفصيل بين الالتزام بهما وإنكار الملازمة باطل .
أقول : وقد أتعب المقرر نفسه الذكية في تقرير الإجماع وتثبيته ، لكنّ تحقق الإجماع التعبدي في مثل هذه المسألة المستدل عليها بالعقل والنقل بعيد جداً ، بل لا يمكن عادةً تحصيل العلم برضى المعصوم ( ع ) منه ، وهذا ظاهر . هذا ، مع ما عرفت من الأقوال الخمسة من القائلين بالحسن والقبح العقليين ، فأين الإجماع المركب « 4 » ؟
2 - الكتاب الكريم ، وفيه آيات ، فمنها : قوله تعالى في مدح نبيه ( ص ) :
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
« 5 »
.
والتقريب : أنّ المعروف والمنكر هما الحسن والقبيح العقليان ، والمستفاد من السياق بدلالة وقوعه في مقام المدح هو العموم ، والأمر فيه محمول على مطلق الطلب لعموم المعروف للمستحب .
ومنها : قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ . . .
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَ
هامش
( 1 ) - شرح التجريد للعلّامة الحلّي / 203 و 256 .
( 2 ) - الأعراف 7 / 33 .
( 3 ) - النحل 16 / 90 .
( 4 ) - نعم ، أنكر في هداية المسترشدين نسبة نفي الملازمة إلى الجماعة المتقدمة ، لكنّ فيه نظراً .
( 5 ) - الأعراف 7 / 157 .