تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
3 - ما اختاره بعض المحققين من أهل التدقيق « 1 » من عدم إمكان حكم الشارع بخلافه ولا بوفاقه مولوياً . أمّا الأول فلأنّ التحسين والتقبيح العقليين ممّا توافقت عليه آراء العقلاء ، فلا محالة لا يعقل الحكم على خلافه من الشارع ؛ إذ المفروض أنّه مما لا يختص به عاقل دون عاقل ، والشارع رئيس العقلاء . وأمّا الثاني فلأنّ التكليف المولوي هو الإنشاء بداعي جعل الداعي ، وهذا لا يمكن إلّا بلحاظ ما يترتب على موافقته من الثواب وعلى مخالفته من العقاب ، وحيث إنّ المفروض أنّ العدل يوجب استحقاق المدح والظلم يوجب استحقاق الذم عند العقلاء ومنهم الشارع فهو كافٍ في الدعوة من قبل الشارع بما هو عاقل ، ولا مجال لجعل الداعي بعد ثبوت الداعي من قبله ؛ فإنّ اختلاف حيثية العاقلية وحيثية الشارعية لا يرفع محذور ثبوت داعيين متماثلين مستقلين في الدعوة بالإضافة إلى فعل واحد ؛ لأنّ الواحد لا يعقل صدوره عن علّتين مستقلين في الدعوة . 4 - ما ذكره جماعة من إثبات الملازمة في الأحكام الراجعة إلى الأصول ، وإنكارها في الأحكام المتعقلة بالفروع . 5 - ما عليه بعض الأفاضل من إنكارها في النظريات خاصة ، نقلها صاحب الفصول . أقول : الصحيح هو القول الأول ، فإنّ الحسن والقبح المذكورين : إمّا من الأوليات ، وإمّا من المشهورات ، فإن كانا من الأوليات - وهي القضايا الموافقة لما عليه الوجود ونفس الأمر - فعدم حكم الشارع بما حكم به العقل : إمّا من جهة أنّ الممدوح الواقعي ليس ممدوحاً عنده ، والمذموم الواقعي ليس مذموماً عنده ، فيلزم جهله بنفس الأمر ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . وإمّا من جهة أنّ الحسن والقبح لا يوجبان استحاق المدح والذم عنده ، فهذا ترجح بلا مرجّح ، فإنّ الاستحقاق المذكور متساوي النسبة إلى الشارع وغيره من العقلاء ، فكيف يحكم به العقلاء دون الشارع بما هو عاقل ؟ وكذا إن كانا من المشهورات فإنّ الشارع كأحدٍ من العقلاء ، بل رئيسهم والمفروض أنّها ممّا تطابقت عليه أراؤهم لأجل حفظ مصالحهم وبقاء نوعهم فيكون الشارع حاكماً بها . أقول : ويمكن أن يورد عليه : بأنّ المشهورات المذكورة ليس لها واقع سوى تطابق الآراء عليها المسبب عن حفظ النوع والمصلحة والمفسدة العامتين كما دريت ، وهذا السبب لا يجري في حقّه تعالى ؛ إذ لا نوع له ، وشخصه محفوظ بذاته ولا يعقل رجوع المصلحة والمفسدة إليه ، فإذن كيف نعلم أنّه يحكم بما يحكم به العقلاء لأجل السبب المذكور ؟
هامش
( 1 ) - وهو التحرير الجامع بين المعقول والمنقول محمد حسين الإصفهاني في نهاية الدراية في شرح الكفاية 2 / 128 .