تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وبالجملة : العلة مخصصة للحكم المذكور بالعقلاء ، ولا تعمّ الواجب وإن كان رئيساً للعقلاء ، فلا بد أن يقال في تتميم الاستدلال ودفع الإشكال : بأنّ الله مدبّر العقلاء ومصلح أحوالهم ، ولذا جرى حكمه في حق عباده بما جرت عليه أحكامكم على مراعاة ما يحفظ به نوعهم ويدفع به المفاسد عنهم ويجلب به مصالحهم ، وقد أخبر بذلك كله ، حيث قال :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
« 1 »
،
وقال :
إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
« 2 » وقال :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
« 3 »
. . .
إلى آخره . والآيات القرآنية في ذلك كثيرة ، ولا سيّما أنّ الأصلح واجب عليه تعالى كما يأتي . فتحصّل : أنّ ما حكم به العقل يحكم به الشرع ، وأنّ الحكم المذكور لا يختص بالعقل ، بل هو شأن كل من انكشف له الواقع كما عرفت وجهه « 4 » . وأمّا ما تقدم من بعض المحققين العباقرة من عدم إمكان الحكم المولوي على وفق حكم العقل ، فهو مبني على أن يكون الثواب والعقاب عين المدح والذم كما يظهر من تقريبه ، ولذا قال أيضاً تأكيداً له : إنّ المدح والذم اللذين يترتب عليهما حفظ النظام عند العقلاء ما يعمّ الثواب والعقاب ، أعني المجازات بالخير والمجازات بالشرّ ، ولذا جزم غير واحد من أرباب النزاع في المسألة بأنّ مدح الشارع ثوابه ، وذمّه عقابه ، مع وضوح أنّ ترتب الثواب والعقاب عند الجمهور من الأصوليين بل المتكلمين على موافقة البعث والزجر ومخالفتهما بحكم العقلاء لا بنصب الشارع ، وليس الوجه فيه إلا أنّ موافقة التكليف الواصل عدل في العبودية ، فيستحق المدح والثواب ، ومخالفته خروج عن زيّ الرقية فيكون ظلماً على المولى ، فيستحق الذم والعقاب ، وإلا فلا حكم آخر من العقل في باب الثواب والعقاب بالخصوص ، فيعلم منه أنّ استحقاق المدح عندهم يعمّ الثواب ، واستحقاق الذم عندهم يعم العقاب . انتهى . أقول : المدح والذم لا يستلزمان المجازات دائماً عند العقلاء ، كما إذا سرق محتاج مالًا قليلًا من غني فإنّه يستحق الذم دون المجازات « 5 » . وقد تقدم أيضاً ما يدل على تغايرهما في
هامش
( 1 ) - البقرة 2 / 205 . ( 2 ) - المائدة 5 / 64 . ( 3 ) - النحل 16 / 90 . ( 4 ) - وأمّا ما أورد عليه المحقّق صاحب الفصول فهو خلاف الفرض من استقلال العقل بحسن الفعل أو قبحه بلا جهة مانعة ، فلا حظ ، نعم ما فرضناه أيضاً نادر . كدرك العقل لزوم حفظ النفس على جميع المكلفين كفايته . ( 5 ) - وأمّا مخالفة المولى في أوامره فهو يقتضي جواز المجازات عند العقلاء ، وعليه فالعقاب من الشارع بحكم العقلاء ، وأمّا الثواب فالأمر ليس فيه كذلك ، بل هو تفضّل محض ، كما يأتي بحثه في محلّه .
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 149 | الشيخ محمد آصف المحسني