قوله :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
« 1 » ومنها قوله :
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
« 2 » ، ومنها قوله تعالى :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
« 3 » ، ومنها قوله :
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
« 4 » ، إلى غير ذلك .
وذهب الأشاعرة إلى أنّه تعالى مريد لجميع ما وقع ، وكاره لكل ما لم يقع ، فكل كائن مراد ، وما ليس بكائن ليس بمراد ، واستدلوا على القضية الإيجابية أولًا : بأنّه خالق الأشياء كلها ، وخالق الشيء بلا إكراه مريد له بالضرورة .
وثانياً « 5 » : بأنّ الأشياء مقدورة له ، فلا بد من اختصاص بعضها بالوقوع وبأوقاتها المخصوصة من مخصص وهو الإرادة ، فإنّها هي الصفة المرجّحة لأحد المقدورين .
وعلى القضية السلبية أولًا بأنّه لو أراد من الكافر الإيمان ومن العاصي الطاعة لزم أن لا يحصل مراد الله تعالى ، ويحصل مراد العاصي والكافر ؛ إذ المفروض وقوع مرادهما ، لا مراده تعالى ، فيكون مغلوباً لهما في إرادته .
نقلوا أنّ عبد الجبار المعتزلي دخل دار صاحب بن عباد الإمامي ، فرأى أبا إسحاق الأشعري ، فقال : سبحان من تنزّه عن الفحشاء ، فقال الأشعري المذكور : سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء !
وثانياً : أنّه علم وقوع ما ليس بكائن فعلم استحالته ؛ لاستحالة انقلاب علمه جهلًا ، والعالم باستحالة الشيء لا يريده البتّة ، ولو أراده فإمّا يقع فهو يستلزم جهله تعالى عنه ، وإمّا لا يقع فهو يستلزم عجزه .
وثالثاً : بالكتاب المجيد ، كقوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
« 6 » ، وقوله :
أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً
« 7 » ، وقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
« 8 » ، وتطهير القلب بالإيمان فلم يرد الله إيمانهم .
هامش
( 1 ) - غافر 40 / 21 .
( 2 ) - الإسراء 17 / 38 .
( 3 ) - البقرة 2 / 205 .
( 4 ) - الزمر 39 / 7 .
( 5 ) - والقوشجي جعل الوجهين وجهاً واحداً ، خلافاً لغيره ، وهو أولى ، كما لا يخفى .
( 6 ) - الأنعام 6 / 35 .
( 7 ) - الرعد 13 / 13 .
( 8 ) - المائدة 5 / 41 .