على الله تعالى كذا ، نعني به أنّ الله تعالى يفعل الأمر لحكمته البالغة البتّة .
وبتعبير آخر : الوجوب الذي نثبته على الله تعالى ليس بمعنى البعث إلى متعلقه ، ولا الزجر عن تركه كماهما المتبادران من الحكم ، بل المراد به إدراك العقل ، الواقع وما هو ثابت في نفس الأمر ، على حذو قولنا : العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين « 1 » ، لكنّ المنكرين خلطوا بين الموردين ، فاعترضوا بأنّه لا حاكم - أي لا باعث ولا زاجر - على الله تعالى !
وأنت بملاحظة ما ذكرناه تقدر على إبطال جميع أغلاطهم وشبهاتهم في المقام ، كقولهم : إنّ الوجوب حكم ، والحكم لا يثبت إلا بالشرع ، فإنّ الحكم في الصغرى بمعنى الإدراك فتبطل الكبرى .
وقولهم : لو وجب عليه تعالى شيء فإن لم يستوجب الذم بتركه لم يتحقق الوجوب ؛ لأنّ الواجب ما يستحق تاركه الذم ، وإن استوجب تركه الذم كان الباري ناقصاً لذاته مستكملًا بفعله ؛ فإنّه حينئذٍ تخلص بفعله من المذمة ، وهو محال . نختار الشق الثاني ، ولا يلزم منه النقص والاستكمال ، فإنّ المذمة غير متحققة قبل فعله ؛ حتى لا يمكن التخلّص عنها إلا بفعله الحسن ، بل المراد أنّه لا يفعل شيئاً يستحق به الذم المترتب عليه ، فأين هذا من النقص ؟ ! والشبهة سخيفة جداً وقولهم - إيراداً على التعريف الثاني - : ولله تعالى في كل فعل ترك مصالح لا تحصى فلا يخلّ بالحكمة ، ولو سلّم فلزوم الصدور المذكور يوجب عدم تمكنه من الترك ، وهو ينافي الاختيار .
نقول : إنّ الشقّ الأول رجم بالغيب ، وافتراء على القادر الحكيم العادل ، بل هو لا يترك مصالح غير مزاحمة بما هو أقوى منها . والشقّ الثاني ساقط جداً ، فإنّ اللزوم المذكور لا ينافي اختياره ، بل هو معلول اختياره ، فإنّه باختياره لا يفعل القبيح ، وهذا ظاهر ، فإنّ العقلاء مع قدرتهم على القبيح وجداناً لا يفعلونه اختياراً .
ونختم الكلام في هذه القاعدة بما روي عن مولانا أمير المؤمنين ( ع ) « 2 » : « التوحيد أن لا تتوهّمه ، والعدل أن لا تتّهمه » .
وعن ابنه مولانا الصادق ( ع ) « 3 » : « أمّا التوحيد فأن لا تجوز على ربك ما جاز عليك ، وأمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لآمك عليه » .
وهاتان الكلمتان القيّمتان مشتملتان على جميع مباحث العدل والتوحيد .
هامش
( 1 ) - والكتاب العزيز أيضاً شاهد بذلك ، قال تعالى فيه :كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وقال :وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وقال :إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. وكلمة ( على ) تفيد الوجوب ، كقوله لله على الناس حج البيت .
( 2 ) - بحار الأنوار / 52 5 و 58 .
( 3 ) - المصدر السابق / 17 .