وأيّدوا قولهم بإجماع السلف على إطلاق قول النبي الأكرم ( ص ) : « ما يشاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن » .
تعقيب وتحقيق :
هذا ما ذكره أهل الحق وخصومهم في المقام ، ويقع البحث في أصل المدّعى أولًا ، وفي صحة الدلائل وسقمها ثانياً .
فنقول : أمّا مدّعى الأشعرية فهو ظاهر ، فإنّهم يزعمون استناد جميع الموجودات ومنها أفعال الحيوان الاختيارية إلى إرادة الله تعالى ابتداءً ، من دون التزام بقانون العلّية والمعلولية الذي هو من قطعيات الحكمة النظرية ، ومن دون إقرار بقاعدة التحسين والتقبيح التي هي من ضروريات الحكمة والعملية ، ولا شك في بطلان هذه المقالة وسخافتها كما عرفت هنا ، وستعرفه أيضاً في مسألة إبطال الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين .
وأمّا مدّعى العدلية فهو بظاهره لا يخلو من غموض ، فإنّهم بعد ما أنكروا على الأشاعرة عموم تعلق إرادته تعالى بجميع الأشياء قالوا : إنّ أفعاله كلها مرادة له ؛ لأنّها لا تكون إلا حسنة ، وأمّا أفعال غيره الاختيارية : فإن كانت حسنة فهي مرادة له تعالى ، وإلا فليست بمرادة .
أقول : وهذا باطل قطعاً واتفاقاً ، فإن معناه أنّ المحاسن واقعة بقدرة الله وإرادته ، والمعاصي واقعة بإرادة العبد ، والأول جبر محض ، والثاني تفويض صرف ، فافهم . وهذا التفصيل مما لم يلتزم به أحد فيما أعلم ، فإنّ المعتزلة تقول بالتفويض في جميع الأفعال ، والإمامية تذهب إلى الأمر بين الأمرين مطلقاً ، فما معنى هذا التفصيل ؟ !
هذا ، مع أنّ البحث عن تعلق إرادته بالقبيح بعد البحث عن أنّه لا يفعل القبيح - كما تقدم - لغو ، ضرورة أنّ تركه القبيح يستكشف عن عدم تعلق إرادته النافذة به ، وإلا لم يتخلّف عنها ، فتدبر ، ولا سيّما إذا فسّرنا إرادته تعالى بنفس الإيجاد والإحداث كما لعله مذهب معظم الإمامية وجملة من المعتزلة على ما سلف تحقيقه وتفصيله في الجزء الأول فإنّ المسألتين تتحدان حينئذٍ .
لكنّ الظاهر أنّ مرادهم بالإرادة هنا هي الإرادة التشريعية بمعنى الطلب ، فمعنى كلامهم أنّ الله يطلب الطاعات دون المعاصي ، وهذا شيء لا يمكن الشك فيه أبداً ، فإنّه من أوضح البديهيات عند الملّيين . وممّا يدل على إرادتهم هذا المعنى من الإرادة المبحوث عنها في المقام : عبارة المحقق الطوسي ( قدس سره ) في قواعد العقائد « 1 » : والمعتزلة قالوا : إنّه يريد ما يفعله ، وأمّا يفعله العباد
هامش
( 1 ) - شرحها كشف الفوائد / 64 .