المتقدمة ، كما لا يخفى على العارف باللغة .
وأمّا حديث ملكيته تعالى فهو لا يفيدهم شيئاً ؛ لأنّ للملكية حدوداً معينة لا يجوز تجاوز المالك عنها ، ألا ترى أنّ المالك لعبد إذا أراد تعديبه وإحراقه بلا جهة أعدّ عند العقلاء سفيهاً ظالماً يستحق اللوم والذم . فالملكية لا تبيح القبائح العقلية أصلًا « 1 » قال الله تعالى :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
« 2 » ، فالله سبحانه وإن كان قادراً على كل شيء لكنّ حكمته البالغة لا تجوز له فعل القبيح أصلًا .
فتحصّل : أنّ أفعاله متصفة بالحسن ، بل مرّ أنّ فعل الحسن لازم عليه ، فافهم .
تذييل وتسجيل :
قد تكرّر في لسان العدلية في مباحث هذا المقصد : أنّه يجب على الله تعالى كذا ، وأنّه لا يجوز له كذا ، وظن بعض من لا تحصيل لهم أنّ هذا يستلزم كونه تعالى مأموراً لغيره ، وأنّ غيره حاكم وآمر عليه ، فلذا أنكروه قائلين : إنّه لا آمر بالنسبة إليه تعالى ، بل هو الحاكم المطلق ، وحينئذٍ لا بد من بيان الوجوب المذكور ليتضح الحال .
فنقول : إنّهم عرّفوا الواجب بتعاريف ثلاثة :
1 - إنّه ما يستحق تاركه الذم عند العقل .
2 - إنّه ما لا يلزم صدوره ؛ لإخلاله بالحكمة لو لم يصدره .
3 - إنّه ما على الله أن يفعله البتّة وإن جاز تركه .
أقول : مرجع الكل شيء واحد كما هو ظاهر . نعم ، لا بد من تقييد الذم المأخوذ في التعريف الأول بمرتبة خاصة ؛ لئلّا يشمل المستحب العقلي أيضاً ، فتأمل . والمراد بالجواز في التعريف الأخير هو الإمكان ، فإنّ القبيح مقدور يمكن صدوره عن الله تعالى ، لكنّه لا يفعله لحكمته ، وهذا كما أنّ العقلاء قادرون على القبائح ولكنّهم لا يرتكبونها ؛ لدلالة عقولهم على قبحها ولزوم الاجتناب عنها .
والحاصل : أنّه تعالى قادر على كل شيء ، لكنّه لكمال ذاته وجلال وجهه لا يفعل ما هو مذموم وشنيع البتّة بحكم العقل وإدراكه ، ونسمّي هذا الإدراك بالوجوب ، فإذا قلنا : إنّه يجب
هامش
( 1 ) - ويظهر من بعض سادة العصر أنّه رضي بمقالة الأشعريين ، وأنّ ملكيته تعالى ملكية مطلقة من جميع الحيثيات ، فلا يقبح منه شيء ، ولكنّه جرى في معاملته مع عباده - في تشريعه وجزائه - على وفق ما عليه العقلاء من التحفّظ على الحكم العقلي المذكور . لاحظ تفسيره الميزان 1 / 93 ، ويظهر بطلانه ممّا ذكرناه في المتن .
( 2 ) - هود 11 / 117 .