إن شاء الله .
والوجه الرابع ردّ بمنع كون الأمر بما لا يريد سفهاً وباطلًا ، وإنّما يكون كذلك لو كان الغرض منحصراً في إيقاع المأمور به ، وليس كذلك ؛ لأنّ الممتحن لعبده أنّه هل يطيعه أم لا ؟ قد يأمره ولا يريد منه الفعل .
أقول : وهذا من أسخف القول ؛ إذ في الأوامر الامتحانية ونحوها وإن لم تكن الإرادة الجدية متعلقة بالمأمور به ، إلا أنه لا شكّ في تحققها وتعلقها به في غير موارد الامتحان ، فإن كل من يأمر بشيء ويطلبه فهو يريده ، وهذا بديهي جداً ، والمقام من القسم الثاني ، فإنّ ما طلبه الله تعالى من الناس من الإيمان والعمل الصالح وترك الكفر والفسق ليس بطلب امتحاني ، بل هو طلب واقعي نشأ عن إرادة جدية .
لا يقال : كيف يكون التكليف جدّياً ، والحال أنّه تعالى يعلم أنّ الكافر والفاسق لا يمتثله ؟
فإنّه يقال : الغرض من التكليف ليس هو فعلية الدعوية نحو متعلقه ، وإلا لبطل في مثل ما يرغب الطبع فيه ، كالأكل والنكاح و . . . أو عنه ، كأكل القاذورات ، فإنّ الإتيان بالأول والانصراف عن الثاني ليسا بانبعاث من التكليف الإلهي ، بل بداعٍ نفساني كما هو واضح ، بل الغرض منه هو إمكان دعويته إلى ما تعلق به ، وهذا المناط موجود في المطيع والعاصي ، ضرورة أنّ تمردّ الكافر والفاسق عن الامتثال لا يبطل إمكان داعوية التكليف ، وإنّما يبطل فعليتها ، وسيأتي بعض الكلام فيه في قاعدة تعلّل أفعاله بالأغراض إن شاء الله . والوجه الخامس متين جداً ، وما اعتذر به ركيك قطعاً ، ومهما كان فالجبر يبطل التكليف ، ومثله الوجهان الأخيران ، فافهم .
وأمّا ما لفّقه الأشاعرة فيزيّف وجه الأول بما سيأتي من كيفية استناد أفعال العباد الاختياري إليه تعالى ، مع أنّ الكبرى منتقضة بالرضا ، فإنّ خالق الشيء بلا إكراه راضٍ به بالضرورة ، وهم لا يلتزمون به ؛ لأنّ الله لا يرضى لعباده الكفر ، ومنه يظهر الحال في الوجه الثاني أيضاً ، وأما الوجوه الثلاثة المستدل بها على القضية السلبية فهي ظاهرة الفساد .
أمّا الأول فلأنّ المراد بتعلق إرادته بإيمان الكفّار هو تعلق الإرادة التشريعية دون التكوينية ؛ إذ ليس للإنسان إلا ما سعى ، ولو شاء الله إيمانهم بالمشيئة التكوينية لآمنوا بلا ريب .
وأمّا تعلق إرادته التكوينية بالأفعال فسيأتي بيانه إن شاء الله ، وستعرف أنّه منزّه عن الفحشاء ، ولا يدخل في ملكه ما لا يشاء ، وهذا أمر لطيف غامض لم يصل إليه نظر الأشعري ولا عقل المعتزلي !
وأمّا الثاني فسيأتي حلّه فيما بعد كما وعدناك من قبل هذا أيضاً .
وأمّا الثالث فالمشيئة فيها محمولة على المشيئة الجبرية والقسرية ، فهي دليل آخر على
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 145
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص١٤٥