تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
فهو يريد طاعته ولا يريد معصيته . وهذه الإرادة غير الإرادة الأولى في المعنى . انتهى . أي غير إرادته المتعلقة بفعله فإنّها تكوينية قطعاً . وقال العلّامة الحلّي ( رحمه الله ) في شرحها : . . . مريداً له لا بمعنى الإرادة المخصصة للفعل ؛ فإنّ الفعل إنّما يقع بإرادة العبد عندهم ، بل الله مريد له ، بمعنى أنّه يطلب منه إيقاعه على وجه الاختيار . . . وإن كان معصية لم يكن مريداً لها بالمعنى الأول - يعني به الإرادة التكوينية - ولا الثاني ، أعني الطلب لحكمته تعالى . . . إلى آخره . والقرائن على ذلك في كلامهم كثيرة . أقول : فكأنّ الأشعرية لم يفهموا مرادهم من الإرادة ، وإلّا فلم يستنكفوا من قبوله ، فإنّ الله أمر بالطاعات ونهى عن المعاصي بالضرورة ، والأمر يستلزم الطلب باتفاق منهم كما صرّحوا به . والتحقيق في المقام : أنّ مقالة الأشعرية باطلة كما مرّ ، والتفصيل بين المعاصي والمحاسن في الإرادة التكوينية لا محصّل له ، وكذا في الإرادة التشريعية بالمعنى الذي قررناه في الجزء الأول ؛ فإنّ الله كتب جميع الأشياء في اللوح المحفوظ . نعم ، هو - أي التفصيل المذكور - يصحّ في الإرادة بمعنى الطلب كما عرفت . وعمدة الكلام إنّما هو في كيفية تعلق إرادة الله التكوينية بالأفعال الاختيارية للمكلفين ، وهي مسألة غامضة مشكلة جداً ، فإنّ تفويض الاعتزالي كجبر الأشعري مخالف للعقل والدين ، والحق الصراح أنّ الإرادة تعلقت بكل شيء ، ولا يدخل في ملكه ما لا يشاؤه ، لكنّه منزّه عن فعل الفحشاء والقبائح . وهذا هو مذهب الأئمة من آل محمد ( ص ) وشيعتهم من الطائفة الإمامية ، وهو المسمّى بالأمر بين الأمرين الذي لم يصل إليه أحد غيرهم ، وبه يجمع بين العقل والنقل ، وبه يرتفع التعارض المترائي بين الآيات القرآنية ، وأمّا بيانه فسيمرّ بك في القاعدة الخامسة من هذا المقصد إن شاء الله ، فانتظر . وأمّا الكلام حول أدلتهم فنقول : الوجه الأول من أدلة العدلية واضح ضروري كما عرفت ، وهو يبطل الجبر الذي تخيّله خصومهم . والوجه الثاني غير متين ، فإنّ العامل بناءً على استناد عمله إلى الله تعالى ابتداءً ، لا يعدّ عاصياً ولا مطيعاً ، فالصحيح أن يبطل المقدّم باستلزامه إبطال التكليف واستحقاق الثواب والعقاب كما سيجيء بحثه فيما يأتي . والوجه الثالث يدل على تعلق الطلب بالطاعات ، والزجر بالمعاصي ، وهذا أمر لا ينكره أحد . والمخالفون حيث زعموا أنّ الإرادة المذكورة في الدليل هي الإرادة التكوينية أجابوا عنه : بأنّ الأمر والنهي يستلزمان الطلب دون الإرادة ، ولكنّه واضح الفساد ، فإنّ الطلب وإن كان مغاير اللإرادة على القول الأظهر غير أنّ الأمر والنهي يستلزمان الإرادة بالضرورة ، كما ننبّه عليه