القاعدة الأولى : في أنّه تعالى لا يفعل القبيح
تنزيه فعله عن القبيح مما لا خلاف فيه ، بل قيل : إنّ الملّيين أجمعوا عليه .
أقول : ودليله واضح ، فإنّ الواجب عالم بجميع جهات الأشياء ، واعتباراتها المحسّنة والمقبّحة ، وقادر على جميع الأمور الممكنة ، وغني عن كل شيء ، وليس له شهوة وحاجة إلى شيء .
وعلى الجملة : ليس فيه مبدأ سوى المبدأ الفكري العقلي ، فلا يعقل القبيح بالضرورة ، بل مرّ في مبحث حكمته تعالى أنّه لا يصدر الفعل عنه إلا على أكمل أنحاء ما يمكن صدوره .
وعلى الجملة : اتصاف أفعاله بالحسن ممّا لا خفاء فيه بعد التوجه إلى ثبوت الحسن والقبح للأفعال في أنفسها ، مع قطع النظر عن الشرع ، فإنّ القبيح مما يتنافره العقول فكيف بخالق العقول والعلوم ؟
وأمّا المنكرون للحسن والقبح فيقولون : لا قبح بالنسبة إليه ! فكل ما يفعله - ولو كان تعذيب أنبيائه المعصومين - فهو حسن ! فأسندوا جميع القبائح الموجودة إلى الله تعالى ، والتزموا - في مقام البحث - بأنّ أفعال العبد مخلوقة لله تعالى ومع ذلك كان العبد هو المسؤول المعاقب على قبائحها ! ! ولكنّه ظلم بحث أسندوه إلى الله تعالى والله - بحكمته وعدله - بريء عنه ، قال الله تعالى :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
« 1 » ، وقال :
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
« 2 »
،
وقال :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
« 3 » إلى غير ذلك من الآيات القرآنية ، فقد أخبر أنّه عادل لا يظلم أحداً . وهذه الآيات ظاهرة في أنّ هنا قوانين نفس أمرية لا بد من رعايتها ، وأنّ التعدّي عن حدودها ظلم وقبيح ؛ ولذا نفاه الله عن نفسه . وتوهّم أنّ نفيه تعالى الظلم عن نفسه بانتفاء الموضوع ، وأنّه لا موضوع للظلم في حقه ؛ لأنّه المالك المطلق تمزيق لدلالة الآيات الشريفة
هامش
( 1 ) - غافر 40 / 21 .
( 2 ) - الكهف 18 / 49 .
( 3 ) - النحل 16 / 118 .