صراط الحق « 1 » ، لكنّ الظاهر وجوبه مع اجتماع شروطه ، ولا بدّ من توجيه الروايات بوجوه غير منافية للوجوب ، فإنّ الإمامة من أظهر أفراد المعروف وأهمّها عند الشارع ، كما أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم وجوبه في ترك العبادات الموقوفة صحّتها على الإسلام ، للانصراف واللغويّة .
وإنّما الأشكال في وجوبه في الفروعات التي لا تكون عباديّة ، كالغيبة ، والكذب ، وردّ مال الغير ، والوفاء بالعقود ، ونحو ذلك . فإن قلنا : إنّ الكفّار غير مكلّفين بالفروع ، كما عن جمع من أصحابنا وغيرهم ، فلا إشكال في عدم الوجوب ، فإنّهم حينئذ كالمجانين ، وأمّا إن قلنا بأنّهم مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأصول ، كما هو المشهور المنصور ، « 2 » فرفع اليد عن إطلاق الآية المتقدّمة الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محتاج إلى دليل صارف ، وليس إلّا السيرة - فتأمّل - ، ولم أجد عاجلا لأحد من العلماء فيه قولا ولا رأيا ، واللّه العالم .
المطلب الحادي عشر : بناء على مذهب المشهور من جواز الإيذاء والضرب والحبس ، كما مرّ في المطلب الرابع ، يشكل الأمر في صحّة العبادات التي يأتي بها المكلّف بداعي دفع الإيذاء أو رفعه ؛ إذ العبادة لا بدّ أن تكون بداعي أمر اللّه ، إمّا لأنّه أهل للعبادة ، أو لخوف عقابه ، أو لطمع ثوابه ، أو لرضاه ، وغيرها ، ولم أذكر من حكم بصحّتها بداعي أمر شخص فرارا من إيذائه ، فيكون داعيا إلى امتثال أمر اللّه تعالى .
ولا يمكن القول بعدم وجوب الأمر بالمعروف في العبادات ؛ لعموم النصّ والفتوى ، ولا القول بالاكتفاء بالعبادة الصورية الفاقدة عن قصد القربة في مورد الأمر بالمعروف .
فيمكن أن يدفع الإشكال بأنّ هذا الإيذاء لمّا كان واجبا على المؤذي من جهة الأمر بالمعروف من قبل الشرع ، كان الانقياد إليه طاعة ، وانقيادا لأمر الشارع نفسه ، فكما يصحّ امتثال الأمر بداعي الخوف من عقاب الآخرة ، بل من انتقامه تعالى في الدنيا وعذابه العاجل ، وكذلك يصحّ بداعي الخوف من إيذاء من سلّطه اللّه عليه تشريعا ، واللّه العالم .
هامش
( 1 ) . صراط الحق ، ج 2 ، ص 255 و 256 .
( 2 ) . راجع : الكافي ، ج 1 ، ص 351 - 360 .