أقول : الموضوع للأحكام الأربعة المذكورة في الآية هو المحارب للّه ، ورسوله ، والساعي للفساد في الأرض ، فأوّل شيء يلفت النظر هو عنوان « المحارب » و « الساعي للفساد » هل هما عنوانان لمصداق واحد أو للمصداقين والمعنونين ؟ وعلى الثاني ، هل هما معا موضوعان للأحكام المذكورة أم كلّ منهما موضوع مستقلّ ؟ لم أجد في النصوص ما يدلّ على انفراد المفسد أو الساعي للفساد أن يكون موضوعا للحكم « 1 » ، كما يوجد فيها ما يدلّ على انفراد المحارب أن يكون موضوعا له . والمتأمّل في مجموع القرائن والشواهد ربّما يطمإنّ بأنّ كلّ واحد من المحارب والساعي للفساد وحده ليس موضوعا للأحكام المذكورة ، كما في قولنا : القاتل ، والزاني المكره - بالكسر - واللائط يقتلون ، أي يحكم على كلّ منهم بانفراده بالقتل ، بل هما معا موضوعان لها .
ويمكن أن يقال بأنّ العنوانين متّحدان مصداقا وإن كانا مغائرين مفهوما ؛ إذ لا يبعد أن يقال : إنّ كلّ من صدق عليه المحارب للّه وللرسول ، صدق عليه أنّه مفسد في الأرض وكذا العكس ، وكذا في طرف السلب ، فكلّ من لم يصدق عليه المحارب لهما ، لم يصدق عليه المفسد ، وبالعكس ، فمحاربة اللّه ورسوله هو الفساد في الأرض ، والسعي في الفساد هو محاربة اللّه ورسوله على أعداء الدين الصادّين عن سبيله وإسقاط النظام الإسلامي أظهر ، ويظهر ذلك من قصّة أبي عامر الراهب وهدم مسجد ضرار
وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
« 2 » .
نعم ، لمّا كان الدين لسعادة البشر ، فالسعي لإسقاط نظامه سعي للفساد في الأرض ، ولكنّ مفهوم المحارب لا ينحصر فيه فقط كما في رواية ضريس الكناسي : « من حمل
هامش
( 1 ) . فإن قلت : قوله تعالى قبل هذه الآية :مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاًيدلّ دلالة واضحة على أنّ الفساد في الأرض بانفراده موضوع لجواز القتل .
قلت : نعم ، لكنّه مختصّ ببني إسرائيل ، وأين دليل تعميمه للمسلمين ؟ وإن استدلّ على تعميمه ببعض الروايات فيمكن تقييده بالمحارب ، للحصر المستفاد من قوله :إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ . . .فتأمّل ، وأيضا التعميم غير مدلّل إذ أنّ الروايات الواردة حول الآية المشار إليها تدلّ أو تشعر بأنّها محكمة في الإسلام ، وتدلّ عليه أيضا رواية النعماني . راجع : البرهان ، ج 1 ، ص 463 و 464 ؛ وسائل الشيعة ، ج 19 ، ص 7 و 8 .
( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 107 .