تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود الشريعة — صفحة 831

مساهمون:

ص٨٣١
والادّخار لتجدّد الاضطرار ، والتداوي لأزالة المرض ، والتحرّز عن النوم في ممرّ السيل ، ومسكن السباع ، وتحت الحائط المائل ، وغلق الباب ، وعقل البعير « 1 » . أقول : ظاهره أنّ التوكّل فيما يتوقّف على أسباب وهميّة وغير عقلائيّة هو ترك الإقدام ، وفيما يتوقّف على أسباب قطعيّة أو ظنّيّة هو عدم الاعتماد التامّ على الأسباب ، وتجويز أن يقطع اللّه بينها وبين مسبّباتها ، ولكن فرقه بينهما بلا فارق ؛ فإنّ التوكّل إن تحقّق بما ذكره في القسم الثاني يتحقّق في القسم الأوّل أيضا جزما ، ولا يتوقّف على ترك الإقدام رأسا ، وكثيرا ما من الأسباب غير العقلائيّة أصبحت في ظلّ التجربة ، والتدبير ، والتعقيب أسبابا عقلائيّة ، بل عامّة المنفعة لعباد اللّه تعالى ، كما في أدوية الطبّ الحديث . فالسعي إلى جميع الأمور وبجميع أقسامه لا ينافي التوكّل وأمّا ما ذكره أوّلا فهو بظاهره خطابيّ أو شعري ، فإنّ الاعتقاد بقدرة اللّه تعالى وعلمه ، وأنّه خالق كلّ شيء ، وأنّ الوسائط والأسباب المتوسّطة مقهورات ومسخّرات لقدرته تعالى ، لا يمنع من الاعتقاد بأمر محسوس آخر وهو تأثير هذه الأسباب في مسبّباتها ، وأنّ اللّه تعالى هو الذي أعطى السببيّة والتأثير للأسباب المذكورة حتّى في موارد كراهة اللّه سبحانه وتعالى في عالم التشريع ، كالكفر ، والقتل ، والزنا ، واللواط ، وتخريب الدين ، وإضلال الناس ، وسائر أنواع الفسق ، والعصيان ، والفجور . نعم ، لا شكّ في انتهاء جميع الأسباب ذاتا ووصفا بما فيه إرادة الإنسان واختياره إلى إرادة اللّه سبحانه وتعالى « 2 » . فلا يمكن تفسير التوكّل بالبناء على عدم تأثير هذه الوسائط والعلل المادّيّة ، والأسباب غير المادّيّة ، وانحصار التأثير في إرادة اللّه سبحانه وحده مجرّدة ؛ فإنّ اللّه تعالى نفسه أبى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها ، وهو مسبّب الأسباب . والظاهر أنّ مراده نفي العلّيّة التامّة ، والتأثير المطلق ؛ فإنّ الأسباب بأسرها لا تستقلّ بالتأثير من دون إرادة اللّه تعالى ، سواء قلنا : إنّها معدّات ، أو قلنا بسببيّتها ؛ إذ على الثاني
هامش
( 1 ) . راجع : جامع السعادات ، ج 3 ، ص 176 - 183 . وفي أكثر كلماته نظر أو منع . ( 2 ) . راجع كتابنا : صراط الحق ، ج 2 ، فإنّا فصّلنا فيه مباحث : الجبر ، والتفويض ، والأمر بين الأمرين .