السعي في ما لا يسعه قدرة البشر فيأتي بالسبب ولا يحسب أنّ المسبب منه ، كحديث :
« اعقل راحلتك وتوكّل ( على اللّه ) » .
وقال بعض علماء الأخلاق :
التوكّل اعتماد القلب في جميع الأمور على اللّه .
وبعبارة أخرى : حوالة العبد جميع أموره على اللّه . وبعبارة أخرى : هو التبرّي من كلّ حول وقوّة والاعتماد على حول اللّه وقوّته ، وهو موقوف على أن يعتقد اعتقادا جازما بأنّه لا فاعل إلّا اللّه ، وأنّه لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، وأنّ له تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ، ثمّ تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والآحاد . . . فإنّ عماد التوكّل أن ينكشف للعبد بإشراق نور الحقّ بأنّه لا فاعل إلّا هو ، وأنّ ما عداه من الأسباب والوسائط مسخّرات مقهورات تحت قدرته الأزليّة . . . - إلى أن قال في بيان مورد التوكّل - :
إنّ الأمور الواردة على العباد إمّا أن تكون خارجة عن قدرة العباد ووسعهم ، بمعنى أن لا تكون لها أسباب ظاهرة قطعيّة أو ظنّيّة لجلبها أو دفعها ، أو تكون لها أسباب جالبة لها أو دافعة ، إيّاها إلّا أنّ العبد لا يتمكّن منها ، فمقتضى التوكّل فيها ترك السعي بالتمحّلات والتدبيرات الخفيّة وحوالتها على ربّ الأرباب ، ولو دبّر في تغييرها بالتمحّلات والتكلّفات ، لكان خارجا عن التوكّل رأسا ، أو لا تكون خارجة عن قدرتهم ، بمعنى أنّ لها أسبابا قطعيّة أو ظنّيّة يمكن للعبد أن يحصّلها ويتوصّل بها إلى جلبها أو دفعها ؛ فالسعي في مثلها لا ينافي التوكّل بعد أن يكون وثوقه واعتماده باللّه دون الأسباب ، ومجوّزا في نفسه أن يؤتيه اللّه مطلوبه من حيث لا يحتسب دون هذه الأسباب التي حصّلها ، وأن يقطع اللّه هذه الأسباب عن مسبّباتها .
ومثّل للأولى وهو الأسباب الموهومة بالرقية ، والطيرة ، والاستقصاء في دقائق التدبير ، وإبداء التمحّلات لأجل التبديل والتغيير ، فيبطل بها التوكّل ؛ لأنّ أمثال ذلك ليست بأسباب عند العقلاء .
ومثّل للثاني وهو الأسباب القطعيّة والظنّيّة بمدّ اليد إلى الطعام للوصول إلى فيه ، وحمل الزاد للسفر ، واتّخاذ البضاعة للتجارة ، والوقاع لحصول الأولاد ، أخذ السلاح للعدوّ ،
حدود الشريعة — صفحة 830
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٨٣٠