أقول : القبح والحسن العقليّان وإن يتوقّفان على العلم ، فينتفيان في صورة جهل الفاعل ، كما قرّر في محلّه إلّا أنّ المعروف والمنكر غير موقوفين عليه ؛ لما مرّ في المقدّمة من شمول التكاليف للعالمين والجاهلين ولو كانوا قاصرين ، لأنّ عدم استحقاقهم للعقاب لا يوجب قلب المنكر غير منكر والمعروف غير معروف ، وعليه يصحّ القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الصور المذكورة حتى الصورة الثالثة ، كما صرّح به العلّامة الحلّي قدّس سرّه في محكيّ أجوبة المسائل المهنّائيّة « 1 » حيث سأله السيّد المهنا عمّن رأى في ثوب المصلّي نجاسة ، فأجاب بأنّه يجب الإعلام ؛ لوجوب النهي عن المنكر وإن كان حكمه في مورد السؤال مخالفا لصراحة صحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام ، قال : سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلّي ؟ قال : « لا يؤذنه حتى ينصرف » . « 2 »
نعم ، لا يصحّ التعدّي عن مورد الرواية إلى غيره ، بناء على أنّ الطهارة شرط علمي في صحّة الصلاة لا واقعي ، ويمكن أن نحكم بعدم الوجوب في القسم الثالث المذكور مطلقا ، لأجل روايتين أخريين :
أحداهما : صحيحة عبد اللّه بن سنان وأبي بصير عن الصادق عليه السّلام : « اغتسل أبي من الجنابة » فقيل له : قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصيبها الماء ؟ فقال له : « ما كان عليك لو سكّت ؟ » ثمّ مسح تلك اللمعة بيده « 3 » . وهي كالصريحة في عدم الوجوب ، ولا خصوصيّة للمورد عرفا ، كما لا يخفى .
ثانيتهما : موثّقة ابن بكير قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلّى فيه وهو لا يصلّي فيه ؟ قال : « لا يعلمه » ، قال : قلت : فإن أعلمه ؟ قال « يعيد » ، « 4 » ويشكل بأنّ عدم صحّة الصلاة إن كان لأجل النجاسة ، فقد مرّ أنّها مانعة بوجودها العلمي دون الواقعي ، فعدم الإعلام لعدم إتيان منكر ، وأمّا قوله عليه السّلام : « يعيد » ، فهو محمول على وقوع
هامش
( 1 ) . المكاسب ، ص 10 .
( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 2 ، ص 1069 .
( 3 ) . المصدر ، ج 1 ، ص 524 .
( 4 ) . المصدر ، ج 2 ، ص 1069 .