وقوله :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ
« 1 » وغيرها .
فيتوهّم التناقض بينها وبين هذه الآية ، لكن يدفع هذا التناقض بقوله تعالى :
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
« 2 » ، فالأجر في الآية المعنونة لا يكون أجرا حقيقيّا وراجعا إلى النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه واله في مقابل رسالته ؛ إذ إيتاؤه مستحيل للثقلين ، بل هو أجر صوريّ يرجع نفعه إلى الأمّة أنفسهم ، وهذا فليكن واضحا .
المطلب الثالث : فيمن يجب مودّته أو مودّتهم . فقد اختلف أقوال المفسّرين وغيرهم فيه ، فقيل : إنّه النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه واله والخطاب لقريش ؛ وذلك أنّهم يبغضونه ، وينكرون دينه ، فأمره اللّه أن يسألهم : إنّكم إن لم تؤمنوا بنبوّتي ، فلتودّوني لقرابتي منكم ، وعليه يكون القربى بمعنى القرابة ، وكلمة « في » بمعنى اللام أو الباء السببيّة .
وهذا القول وإن نسب إلى الجمهور ، لكنّه غلط مخالف لمدلول الآية الكريمة ؛ فإنّ طلب المودّة إنّما هو بعنوان أجر الرسالة ، ومن لم ينتفع بالرسالة ، بل استحقّ الخلود بإنكارها لا يعقل استقرار الأجر عليه ، فلا معنى لطلبه صلّى اللّه عليه واله الأجر من كفّار قريش .
وربّما وجّه بعضهم الخطاب إلى الأنصار دون كفّار قريش ، وقال في وجهه : إنّ الأنصار آتوا النبيّ صلّى اللّه عليه واله بمال يستعين على ما ينو به ، فردّ المال ، ونزلت الآية .
ويردّه أنّهم كانوا يحبّونه ، بل ويحبّون من هاجر إليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، فلا يحتاج إلى السؤال عن محبّتهم والعمدة في إبطال هذا القول أنّه لا قرابة بين النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه واله والأنصار بنحو يستدعي المودّة بالضرورة .
وقيل : إنّ فاعل المودّة هو النبيّ ومفعولها قريش عكس القول الأوّل ، أي لا أسألكم أجرا على هدايتكم ، وإرشادكم إلى الحقّ ، وكمال الإنسانيّة ، وإنّما الداعي في ذلك هو حبّي وودّي لكم بسبب قرابتكم .
أقول : ويردّه أوّلا : أنّه كذب ؛ فإنّ الداعي لإبلاغ الرسالة ، وهداية الناس هو أمر اللّه
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 90 .
( 2 ) . سبأ ( 34 ) : 47 .