فيضعف ببطلان القاعدة المذكورة على ما حقّقناه في علم الكلام ، « 1 » كما أنّ الاستدلال بوجوب دفع الضرر المحتمل من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المذكورين أيضا ضعيف ؛ لأنّ الضرر الذي يحتمل في صورة الترك غير واجب الدفع ، كضيق المعاش ، وتسلّط الأشرار على الأخيار مثلا ، والواجب دفعه كالعقاب الأخروي ، والهلاكة الدنيويّة وغيرها لا يحتمل أصلا ، أو احتمالا معتدّا به بعد قبح العقاب بلا بيان ، وبعد التجربة ، فافهم .
المطلب الثاني : ظاهر الآية المباركة أو صريحها أنّ وجوبهما كفائيّ ، فما عن جمع من عينيّة الوجوب لا دليل عليه حتى رواية واحدة معتبرة سندا ، ومن الواضح أنّ القول بالعينيّة يجامع السقوط مع حصول المطلوب بترك العاصي الإصرار على المعصية ، ضرورة امتناع التكليف به حينئذ بانتفاء متعلّقه ، وإنّما يظهر فائدة القولين في وجوب قيام الكلّ به قبل حصول الغرض ، وعدم كفاية قيام من به كفاية على الوجوب العينيّ ، وسقوط الوجوب عمّن زاد على من به الكفاية من القائمين على القول الآخر . وحينئذ فلو أمر ونهى بعض وتخلّف بعض كان آثما على الأوّل وإن حصل المطلوب بالبعض الآخر ، كما صرّح به غير واحد ، لكنّ الآية كالصريحة في خلاف هذا القول ، بل يمكن القول باستمرار السيرة المتّصلة أيضا على خلافه ، فلا إثم على المتخلّف في الفرض المذكور . نعم ، لو شكّ في قيام الغير به يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ للأصل المطّرد في جميع الواجبات الكفائيّة ، وهذا ظاهر .
المطلب الثالث : يمكن أن يكون التعبير في الآية الشريفة
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ . . .
بدل ، فلتدع منكم أمّة إلى الخير ولتأمروا بالمعروف . . . إشارة إلى وجوب الإعداد وتهيّة المقدّمات المحتاج إليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المذكورين ، فتدبّر .
المطلب الرابع : الظاهر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المأمور بهما في الآية الشريفة هو طلب الفعل وطلب الترك ، قولا : فيقال لمن ترك واجبا : « افعله » ولمن يرتكب محرّما لا « تفعله » ، ولا يكفي القول بأنّ ما تركته واجب ، وللثاني : بأنّ ما فعلته
هامش
( 1 ) . راجع : صراط الحق ، ج 2 ، ص 329 - 335 .