الموجب لمنع تصرّفه فيهما ، وعدم فراغ الذمّة إلّا به ، وإن كان المالك جاهلا إمّا بأصل المال أو بخصوصيّته ، فإن كان الأخذ ظلما وغصبا ، وجب إرضاء المالك بإعطاء أيّ المالين يريده ؛ دفعا لتبعة الظلم المسؤول عنه يوم القيامة ، وأمّا إذا لم يرض المالك أصلا إلا بردّ كلا المالين أو المثلين ، أو كان الأخذ بغير الظلم والعدوان ، فلا مانع من الرجوع إلى القرعة ، فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا امرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحقّ » « 1 » .
وقال الصادق عليه السّلام في صحيح منصور : « فأيّ قضيّة أعدل من القرعة إذا فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّ وجلّ ، أليس اللّه يقول :
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ »
« 2 » .
وإمّا إذا جهل لتردّده بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين فإمّا أن يكون في الذمّة ، أو في العين ، وعلى الثاني فإمّا أن يكون المال بيده ، أولا .
أمّا الأوّل والثّاني : فيجب فيهما ردّ الأقلّ ، ولا يجب أداء الأكثر ؛ للأصل ؛ ولأنّ اليد أمارة الملكيّة ، فيقتصر في الخروج عنها على المعلوم .
فإن قلت : أصالة البراءة عن وجوب دفع الزائد إنّما يتمّ إذا لم يكن أخذ المال من الأوّل قهرا وظلما وإلا فلا يسقط أثر الظلم واستحقاق العقاب بمجرّد الجهل بالمقدار ، فإذا احتمل الآخذ أنّ حقّ الغير وماله هو الأكثر ، يحكم العقل بوجوب دفعه ؛ تحصيلا للبراءة اليقينيّة للذمّة المشغولة به ، وكذا إذا علم بالمقدار في حين ثمّ جهله وإن كان الأخذ بغير ظلم لتنجّز التكليف سابقا ، فلا بدّ من الرجوع إلى الاشتغال والاحتياط بدفع الأكثر .
قلت : أمّا الفرض الأخير ، فالتحقيق أنّ الذي يجب فعلا على المكلّف ليس الّا الأقلّ ، فإنّ وجوب الأكثر منفيّ بالأصل المعتبر شرعا . وأمّا الفرض الأوّل ، فالإنصاف أنّه لا رافع لأثر الظلم السابق ؛ فأنّ أصالة البراءة إنّما تنفي وجوب الأكثر فعلا ، ولا تقدر على نفي الأثر المذكور ، والتوبة إنّما تسقط العقاب الناشئ عن مخالفة أمر اللّه سبحانه ،
هامش
( 1 ) . كما في صحيحة أبي بصير عن الباقر عليه السّلام المصدر ، ج 18 ، ص 188 .
( 2 ) . المصدر ، ص 191 .