هذا الذي ذكرنا ، فليكن واضحا قطعيّا ، إنّما الإشكال والكلام في تحديد تحمّل الضرر لأجلها ؛ فإنّها لا تتيسّر اليوم إلّا بصرف الأموال ، وإتعاب الأبدان ، وقتل الأنفس ، بل وإلّا بقتل النفوس المؤمنة أو المسلمة غالبا ، فيقع الكلام في أنّ القتل والقتال وتحمّل الأضرار المالية والبدنيّة بأيّ مرتبة منها واجبة ؟ وبأيّ مرتبة منها محرّمة ؟ وبأيّ مرتبة جائزة ؟ وهذه أسئلة يصعب جوابها ؛ فإنّه لم يتكلّم حولها في الفقه - حسب تتبّعي - ولا بدّ من تنقيح هذه الجهة ، وبناء الأئمّة وعملهم عليهم السّلام ربّما يدلّ على عدم وجوب تحمّل القتل والقتال ، وعمل الحسين عليه السّلام لا يدلّ على الوجوب ، بل غايته الجواز ، ومطلق الرجحان إن لم نقل بأنّه خاصّ به وإلّا فالمرجع هو القواعد ، وعمل سائر الأئمّة ، كالنصّ في عدم الوجوب إلّا أن يستند سكوتهم إلى العجز « 1 » .
إقامة الدين
قال اللّه تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
« 2 » .
أقول : إقامة الدين إمّا بمعنى العمل به ، فهو لا يتضمّن حكما جديدا ، وإمّا بمعنى حفظه في حياة الإنسان ، فهو يتحقّق في ضمن الاجتهاد في الفقه ، وفي المسائل النظريّة الأصوليّة الاعتقاديّة ، وفي الإرشاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمقاتلة في حالة الدفاع ، فلا يستفاد أيضا من الآية حكم جديد .
نعم ، إن قيل بشمولها لدفع المنكرات العامّة وإجبار الناس بالالتزام بشرائع الإسلام تصبح الآية مفيدة للحكم الجديد . ثمّ إنّني لم أفهم النكتة في استعمال الوصيّة فيما أنزل إلى الأربعة من أولي العزم ، والوحي إلى خاتمهم صلّى اللّه عليه وآله وعليهم .
هامش
( 1 ) . ونحن تعرّضنا للموضوع في الجزء الأوّل من كتابنا : الجهاد الإسلامي ، حين احتلال البلاد توسّط الماركسيّين الروسيّين ( السوفيات ) ، لعنهم اللّه ولعن أذنابهم من الماركسيّين الأفغانيّين ، وقيام الثورة الإسلاميّة في أرجاء الوطن نصرها اللّه تعالى .
( 2 ) . الشورى ( 42 ) : 13 .