[ الأمر ] الثالث : حجّيّة ما هو أعمّ من ذلك ، وما هو مظنون الصحّة ، ومطابقة مؤدّاه للواقع ولو بالنظر إلى الخارج ، كما لو كان الخبر موافقا لفتوى المشهور وإن لم يعتمدوا عليه ، كخبر الدعائم والرضوي ونحوهما .
وظاهر المصنف رحمه اللّه - يريد به صاحب الكفاية - استظهار الثالث من أدلّة الحجّيّة ، ولا يخلو من تأمّل ، بل المتيقّن هو الأوّل وإن كان الثاني أظهر « 1 » .
أقول : بناء العقلاء على قبول خبر الثقة والصادق وإن لم يحصل الوثوق بصحّة كلّ خبره ، وعلى الخبر الموثوق به وإن كان مخبره مجهول الحال أو كاذبا ؛ فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة من أيّ جهة حصل ، كالعلم ؛ فإنّه حجّة عقليّة من أيّ سبب تحقّق ، والأخبار المتواترة إجمالا على تردّد ما ، المستدلّ بها على حجّيّة الأخبار الآحاد أيضا لا تثبت أكثر من هذا ، فالصحيح هو الوجه الثالث ؛ إذا كان المراد بالظنّ في كلامه رحمه اللّه هو خصوص الاطمئنان ، كما هو مراد صاحب الكفاية على ما يظهر من عبارته ، وإن أراد من الظنّ مطلق الظنّ فالأمور الثلاثة المذكورة كلّها لا دليل عليها ، والأصل في الظنّ عدم الحجّيّة .
وعلى كلّ حيث إنّ الشهرة لا توجب الاطمئنان لنا ، لا نقول بجبرها للسند الضعيف . قال الشهيد الثاني في درايته : « وأمّا الضعيف ، فذهب الأكثر إلى المنع عن العمل به مطلقا ، وأجازه آخرون مع اعتضاده بالشهرة رواية وفتوى . . . » ، وفيه نظر ، وذكر في وجهه أنّ هذا يتمّ لو كانت الشهرة متحقّقة قبل زمان الشيخ رحمه اللّه والأمر ليس كذلك ؛ فإنّ من قبله من العلماء كانوا بين مانع من الخبر الواحد مطلقا ، كالمرتضى والأكثر على ما نقله جماعة ، وبين جامع الأحاديث من غير التفات إلى تصحيح ما يصحّ ، وردّ ما يردّ . قال :
فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ على وجه يجبر ضعفه ، ليس بمتحقّق ، ولمّا عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهيّة جاء من بعده من الفقهاء وأتبعه منهم عليها الأكثر تقليدا له « 2 » .
هامش
( 1 ) . حقائق الأصول ، ج 2 ، ص 218 .
( 2 ) . خاتمة مستدرك الوسائل ، ج 3 ، ص 765 .