نعم ، لا بدّ من التنبيه على شيء وهو أنّ إجراء الحدود ليس أمرا بسيطا غير متوقّف على المعرفة التامّة بالأحكام الشرعيّة ، بل لا بدّ لمقيم الحدود من العلم بجميع الأحكام المتعلّقة بها ؛ لئلّا يقع في الكبائر الموبقة ، كالظلم ، والتوهين ، والغصب ، والقتل ، ونحو ذلك ، فينتهي الأمر بالآخرة إلى انحصار التكليف بإقامة الحدود بالعلماء المأمونين والمتمكّنين .
ثمّ الأرجح عندي عدم اعتبار الاجتهاد فيه ، أي لا يعتبر أن يكون علم المقيم مستندا إلى الاستدلال الصناعي ؛ لعدم دليل عليه . وما استدلّ به عليه ضعيف لا يوجب الاعتماد عليه ، بل يكفيه مطلق العلم ، سواء استند إلى اجتهاده ، أو إلى تقليده الصحيح ، فإذن جاز إقامة الحدود للعلماء المنتشرين اليوم في البلاد والقرى وإن لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد ولو تجزّيا إذا أحاطوا بالشروط والقيود الشرعيّة المتعلّقة بها علما وفهما ، وكانوا أمناء صلحاء أتقياء .
تعقيب وتنقيد
استدلّ لجواز إقامة الحدود للفقهاء في حال الغيبة بوجوه :
منها : مقبولة عمر بن حنظلة ، قال : سألت أبا عبد اللّه عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك ؟ فقال :
« من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتا وإن كان حقّه ثابتا ؛ لأنّه أخذ بحكم الطاغوت ، وقد أمر اللّه أن يكفر به » ، قلت : كيف يصنعان ؟ قال : « انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به حكما ؛ فإنّي قد جعلته حاكما ؛ فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه ، فإنّما بحكم اللّه قد استخفّ ، وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على اللّه وهو على حدّ الشرك باللّه » « 1 » .
وبها استدلّ على اعتبار الاجتهاد في القاضي والحاكم ، لكنّ المناقشة فيه من وجوه :
أوّلا : أنّ الجمود على قوله عليه السّلام : « فإنّى قد جعلته حاكما » والأخذ بإطلاقه ليشمل
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 7 ، ص 412 .