البحث الحادي عشر : قضيّة إطلاق الآية عدم الفرق بين كون الداعي من الاقتتال أمرا سائغا أو محظورا كانوا معذورين فيه للقصور والخطأ أم مستحقّين للّؤم والذمّ للعناد ، والتقصير ، فتشخيص بغاوة إحدى الطائفتين موكول إلى نظر المصلحين « 1 » .
البحث الثاني عشر : إذا وقع القتال بين الجند والطائفة الطالبة لحرّيتها ، كما هو المتداول في هذه الأعصار ، فأيّ الطائفتين من الباغية حتّى وجبت مقاتلتهم على سائر المسلمين إذا تمكّنوا ؟
لا إشكال في كون الباغية هي الحكومة إذا تخلّفت عن تطبيق القوانين الشرعيّة وأعرضت عن العدالة الدينّية ، وكان ذلك هو داعي المقاتلين ، والشعب ، إذا قصدوا إبطال القوانين الشرعيّة أو أرادوا الظلم والفساد . وأمّا إذا كان الغرض هو مجرّد إنهاء السلطة وتشكيل حكومة قوميّة ، كما هو كذلك غالبا أو دائما والفرض أنّ السلطات الفعليّة في البلاد الإسلامية غير إسلاميّة ، فلا تكون مخالفتها ممنوعة شرعا من هذه الجهة كي يقال : إنّ المقاومين هم الباغية . نعم ، قد يكون الانشعاب أكثر ضررا للإسلام ، وقد يكون الانضمام كذلك ، فيفهم البغاة ، وقد يتساوى الأمران ، أو لا يفهم زيادة الضرر .
ويمكن أن يقال : إنّ مقتضى القاعدة حينئذ بغي الحكومة ؛ لأنّها تزاحم الناس في السلطنة على أنفسهم ، وتقيّدهم بقيود ما أنزل اللّه بها من سلطان ؛ فإذا لم يرضوا بها لم يجز إجبارهم .
هذا إذا كانت السلطة مدّعية للإسلام ، وأمّا إذا كانت كافرة ولم يكن في جندها طائفة مسلمة غير مسلوبة الاختيار ، فالقتال معهم داخل في المقاتلة في سبيل المستضعفين ، وقد أشرنا إليه في مباحث الجهاد في حرف « ج » .
واعلم ، أنّ هذه المسائل ممّا لم أجدها في كلام أحد ، ولا أدري هل تعرّض لها فقهاؤنا الكرام المحقّقون أم لا ؟ فلا بدّ من التأمّل التامّ فيها « 2 » .
هامش
( 1 ) . لا بدّ من مراجعة الجزء الأوّل من كتابنا « جهاد اسلامى » ، الذي ألّفناه قبل سنة ( 1406 ه . ق ) للفرق بين الباغية والمحارب .
( 2 ) . ولا بدّ من مراجعة رسالتنا توضيح مسائل جنگى ، التي ألّفناها بعد هذا الكتاب بسنين ، لكنّها طبعت قبل هذا بثلاث مرّات ؛ إذ ذكرنا فيها الفروع الأخر للمقام .