تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود الشريعة — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
وبالجملة مقتضى الأدلّة اللفظيّة واللبّية حرمة قتل المسلمين وجرحهم وإيذائهم وأخذ أموالهم وغير ذلك ، والمفروض عدم كفرهم وبقاؤهم على إسلامهم ، والثابت بالآية الكريمة هو مجرّد قتالهم إذا لم يقبلوا الإصلاح ، وقصدوا البغي على الطائفة الأخرى ، لكن لا إلى إفنائهم ، بل إلى رجوعهم إلى الحقّ ، فالجائز هو القتال المغيّى بغاية الرجوع فقط ، فيبقى الباقي على الأصل الأوّل حتّى بالنسبة إلى ما أخذ عنهم في حين القتال من الأسلحة ، فضلا عمّا اشتمل عليهم من الثياب والملابس ، فلا غرو في جواز قتل أحد وحرمة التصرّف في ماله ، لأنّ الأوّل مقدّمة لإحقاق الحقّ دون الثاني . ويمكن أن ندعمه أوّلا : بسكوت الآية عنها ؛ إذ لو كانت الأمور المذكورة جائزة لكانت المناسب التنبيه عليها . وثانيا : بقوله تعالى :
وَأَقْسِطُوا ؛
فإنّ من الإقساط عدم التصرّف في مال المسلمين وعدم مزاحمتهم في سلطنتهم على أموالهم وعلى أنفسهم ، وعدم ظلمهم بعد رجوعهم إلى الحقّ وأداء حقّ الفئة المظلومة . البحث السادس : إذا فرض حصول الرجوع إلى أمر اللّه تعالى والمنع عن البغي بغير القتل ، كالأسر ، والحبس ، ومنع الماء عنهم ، والحصر في مكان خاصّ ، فهل يجوز قتال الباغية معه أم لا ؟ ربّما يفهم الأوّل من إطلاق الآية حيث فرّع فيها الأمر بالقتال على البغي ، لكنّ الالتزام به مشكل ، بل ممنوع ، وذلك لما هو المعلوم من مذاق الشرع في أمر الدماء ، بل الأقوى الاقتصار على الأسهل فالأسهل ، وعدم جواز البدار إلى الأصعب وإن لم يكن قتلا ، وبالجملة إطلاق الآية محمول على صورة عدم إمكان إعادة الحقّ إلّا بالقتال أو نفسّر القتال بالمحاربة ، ونقيّدها بغير صورة القتل . البحث السابع : جواز القتال أو غيره من المراتب الدانية ، هل يتوقّف على قصد الطائفة الباغية قتل الطائفة الأخرى ، كما يظهر من قوله تعالى :
اقْتَتَلُوا
أم لا ، بل يكفيه قصدهم مطلق الظلم ، وطلب ما لا يحقّ لهم وإن لم يكن خطيرا ، كما يقتضيه قوله تعالى :
فَإِنْ بَغَتْ ؟
لكنّ الاعتماد على إطلاقه مشكل ؛ لاحتفافه بما يصلح أن يكون قرينة له وهو قوله تعالى :
اقْتَتَلُوا
بناء على أنّ الاقتتال والمقاتلة هما محاولة
حدود الشريعة — صفحة 644 | الشيخ محمد آصف المحسني