يمكن أن نستدلّ على وجوبها الكفائي بقوله تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
« 1 » .
المستفاد من الآية وجوب النفر ، لأجل التفقّه والإنذار ، فيكونان واجبين حسب المتفاهم العرفي ، والإنذار هو الفتوى . ولا يفرق في هذا الاختلاف في مرجع الضمائر في الآية إلّا على الوجه المرجوح « 2 » .
ويقول الشيخ الأنصاريّ قدّس سرّه في رسائله :
لأنّ الإنذار هو الإبلاغ مع التخويف ، فإنشاء التخويف مأخوذ فيه ، والحذر هو الخوف الحاصل عقيب هذا التخويف . . . ومن المعلوم أنّ التخويف لا يجب إلّا على الوعّاظ في مقام الإيعاد على الأمور التي يعلم المخاطبون بحكمها من الوجوب والحرمة . . . أو على المرشدين في مقام إرشاد الجهّال ، فالتخوف لا يجب إلّا على المتّعظ أو المسترشد . . .
توضيح ذلك أنّ المنذر إمّا أن ينذر أو يخوّف على وجه الإفتاء ، ونقل ما هو مدلول الخبر باجتهاده . وإمّا أن ينذر أو يخوّف بلفظ الخبر ؛ حاكيا له عن الحجّة . فالأوّل كأن يقول : يا أيّها الناس ! اتّقوا اللّه في شرب العصير ؛ فإنّ شربه يوجب المؤاخذة . . . وأمّا الإنذار على الوجه الأوّل ، فلا يجب الحذر عقبيه إلّا على المقلّدين لهذا المفتي . . . .
أقول : لا يبعد اختصاص الإنذار بصورة الإرشاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وعدم شموله للفتوى ؛ لأنّ من طبعها عدم الإنذار فيها ، كما هو المتداول إلى اليوم وان كان يلزمه ، والأحسن أن يقال : إنّ العمل بالأحكام الشرعيّة لا يمكن إلّا بمراجعة الكتاب والسنّة ، وفهم مقاصدهما ، وهو لا يمكن إلّا بإعمال النظر والاجتهاد قطعا ، كما أشرنا إليها قبيل هذا ، فيجب على كلّ مكلّف إعمال النظر في الأدلّة ، واستنباط الأحكام الإلزاميّة والوضعيّة منها ، لكنّ هذا الوجوب العينيّ يوجب العسر والحرج ، بل اختلال النظام « 3 » ، فهو منفيّ جزما ، فلا بدّ من القول بوجوبه كفائيّا ، وجواز
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 122 .
( 2 ) . وهو أن يكون الإنذار من المجاهدين بذكر ما شاهدوه في الغزوات من حكمة اللّه في نصرة أوليائه على أعدائه في الحرب .
( 3 ) . بل الاجتهاد متعذّر في حقّ أكثر الناس ولو بالعرض .