ويدلّ عليه أيضا جملة من الروايات التي نذكرها فيما بعد .
وأمّا الكبرى ، فلا شكّ لأحد في حكم العقل بوجوب رفع استحقاق العذاب الأخروي ودفعه ، ولكن لازم ذلك الوجوب التخييريّ بينه وبين التوبة ؛ فإنّها أيضا تمحو الذنوب ، بل بينهما وبين كلّ ما يمحو الذنوب ، ولعلّه لا قائل به بين المسلمين أو الإماميّة ؛ فإنّ ظاهرهم وجوب التوبة تعيينا .
والأظهر عدم وجوب الاستغفار بهذا الدليل ؛ فإنّ التوبة واجبة تعيينا ، كما مرّ تفصيلها في حرف « ت » ووجوبها شرعيّ ، ومعها يسقط أثر الذنوب ، ويزول استحقاق العقاب ، فلا مجال لوجوب سائر مسقطات الذنوب . ولا بعد في ذلك ؛ فإنّ حقيقة تأثير المسقطات في إزالة الذنوب ومحو أثرها ، كاستحقاق العقاب وغيره ، غير معلومة لنا ، فلعلّ التوبة أقوى تأثيرا من غيرها ، فلذا أوجبها الشارع دون غيرها .
فإن قلت : فإذا كانت التوبة ماحية للذنوب بحيث لا يبقى ذنب على التائب منه ، فلا يبقى مجال لسائر المسقطات ، فما معنى ما ورد أنّها تسقط الذنوب ؟
قلت : يكفي في ذلك تأثيرها في فرض عدم التوبة ، فمن لا يتوب عن ذنبه يمكنه إسقاط ذنوبه الماضية بغير التوبة من المسقطات ، وهذا من رحمة الربّ الرحيم الكريم ؛ إذ التوبة بمعنى الندم القلبي ، وربّما لم يصل العبد إلى هذه الدرجة ؛ لشوقه الحيواني إلى ذنب ، أو قلّة خوفه وحيائه من اللّه تعالى . وأمّا الاستغفار ، فليس له مؤونة روحانيّة في طلب إزالة المعصية وهو يتأتّى من جميع فسّاق المسلمين ، ولعلّه المراد بالآيات الآمرة بالاستغفار ثمّ بالتوبة تدريجا من الأدنى إلى الأعلى ، وهذا المعنى أحسن ممّا نقلناه في السابقة ، فلاحظ ، ولا مانع من وجوب الاستغفار على العاصي عند عدم حصول الندم له من المعاصي ؛ فإنّه رافع للضرر ، وكلّ رافع للضرر المهمّ واجب عند العقلاء ؛ لقبح بقاء استحقاق العقاب على الذمّة .
وحيث انجرّ بنا الكلام إلى هنا ، فينبغي أن نتعرّض للمسقطات المذكورة حسب تتبّعي الناقص ؛ فإنّ معرفتها نافعة جدّا .
حدود الشريعة — صفحة 601
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٦٠١