وما يشمل الناس ، والأوّل خارج عن محلّ ابتلائنا وإن كان الأشبه حمل الأمر فيها على الاستحباب . وأمّا الثاني ، فكقوله تعالى :
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ
« 1 » .
وقوله تعالى :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا
« 2 »
إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ . . .
« 3 » .
وقوله تعالى :
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 4 » .
وقوله تعالى :
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
« 5 » .
أقول : إن كان المراد بالاستغفار هو التوبة ؛ فإنّها سبب للمغفرة ، فحكمه حكمها ، وقد مرّ بحثها وإن لم يكن كذلك ، كما هو المقطوع في محلّه من الآيات ، ففيه احتمالان :
الاحتمال الأوّل : حمل أوامره على الاستحباب في غير مورد التوبة .
الاحتمال الثاني : القول بوجوبه ، ومقتضى إطلاق الآيات كفاية الاستغفار مرّة واحدة في الحجّ ، ومرّة واحدة في تمام العمر . ولا أتذكّر من قال بوجوبه ، فلا يبعد ترجيح الاحتمال الأوّل في غير ما ثبت وجوبه بخصوصه ، هذا بلحاظ الأدلّة اللفظيّة فقط . وأمّا بحسب مجموع النقل والعقل ، فلا مانع من القول بوجوب الاستغفار بعد كلّ معصية ؛ فإنّه رافع للضرر نقلا ، وكلّ رافع للضرر الخطير واجب عقلا ، أي ببناء العقلاء .
أمّا الصغرى ، فلأنّ الاستغفار يغطّي الذنوب وإلا لم يؤمر به في القرآن والسنّة ؛ فإنّه بمعنى طلب المغفرة ، ولولا حصولها عقيبه ، للغى الأمر به . قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
« 6 » .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 199 .
( 2 ) . وقد صدرت هذه الجملة من جملة من الأنبياء عليهم السّلام إلى أممهم . وقيل : إنّ المراد بالتوبة الإيمان ، كما في قوله تعالى :فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ( غافر ( 40 ) : 7 ) .
فالمعنى : اطلبوا المغفرة من المعصية الماضية ثمّ آمنوا بربّكم .
وقيل : اطلبوا المغفرة واجعلوها غرضكم ثمّ توصّلوا إليه بالتوبة . وقيل : استغفروا من ذنوبكم الماضية ثم توبوا إليه كلّما أذنبتم في المستقبل . وقيل : إنّ كلمة « ثمّ » بمعنى الواو ؛ لأنّ التوبة والاستغفار واحد ، واللّه العالم بمراده .
( 3 ) . هود ( 11 ) : 4 .
( 4 ) . المزّمّل ( 73 ) : 20 .
( 5 ) . فصّلت ( 41 ) : 6 .
( 6 ) . النساء ( 4 ) : 110 .