مخالفة الواقع ، غير قبيح عند العقلاء .
فإن قلت : هذا إذا كان المكلّف به المجهول مقدورا في نفسه لولا الجهل المانع من إحرازه وأمّا إذا كان الجهل به موجبا لعجز المكلّف منه في ظرفه ، فيمكن المناقشة في وجوب تعلّمه بأنّ التكليف في حينه لا يبلغ مرحلة الفعليّة ، لفرض خروجه عن قدرة المكلّف ، فلا يلزم مخالفة للتكليف الفعلي ، ولا تفويت الملاك الملزم ، ومن الظاهر عدم وجوب إيجاد ما هو شرط الملاك والتكليف .
قلت : يمكن أن نجيب عنه بوجوه :
الوجه الأوّل : ما عن المحقّق الأردبيلي ومن تبعه من أنّ وجوب التعلّم نفسيّ ، لكن إثبات ذلك من الأدلّة مشكل جدّا ، بل هو طريقيّ .
الوجه الثاني : أنّ القدرة ليست دخيلة في ملاك الأحكام بحيث لو لم يقدر المكلّف على عمل ، كان ملاكه غير تامّ ؛ فإنّه غير بيّن ولا بمبيّن ، بل القدرة إنّما هي شرط حسن التكليف وجواز الخطاب ، ضرورة قبح خطاب العاجز بما يعجز عنه في ظرف العمل .
وعليه ، فعجز المكلّف - وإن يبطل التكليف وتوجّه الخطاب إلّا أنّه - لا يؤثّر في تماميّة الملاك ، فتركه يوجب استحقاق العقاب عقلا ، فلا بدّ من التعلّم دفعا للضرر المعلوم أو المحتمل ، لكنّنا ذكرنا في مقدّمة هذا الجزء اعتبار القدرة شرعا في التكليف على الإطلاق ، وعلى هذا الفرض يصبح غير المقدور غير مكلّف به ، ولا علم لنا بكفيّة الملاكات غالبا إلّا بإلهام وشبهه ، فلا يتمّ هذا الوجه أيضا ، ولذا نجوّز إهراق الماء قبل دخول وقت الصلاة مع العلم بعدم تمكّننا من الماء بعده « 1 » للوضوء ولتطهير البدن ، وكذا تنجيس البدن مع العلم بعدم إمكان تطهيره بعد دخول الوقت ونحو ذلك .
الوجه الثالث : بناء العقلاء على أنّ العجز الناشئ من قبل الجهل الممكن زواله ، لا ينافي فعليّة التكليف ، ولعلّه يرجع إلى ما بعده .
الوجه الرابع : رواية مسعدة بن زياد الدالّة بإطلاقها على وجوب التعلّم حتّى
هامش
( 1 ) . وأمّا إضاعة الماء وما يتيمّم به معا ، فلا يمكن القول بجوازه ؛ نظرا لما نفهم خارجا من مذاق الشرع وأهمّيّة الصلاة عنده .